المعمري: تقوى الله تعالى أول أسس وركائز الاطمئنان للفرد والأسرة والمجتمع

يعرف بها كل فرد حدوده فلا يتجاوزها إلى إيذاء غيره –

متابعة: سيف بن سالم الفضيلي –

أكد فضيلة الشيخ الدكتور عبدالله بن سعيد المعمري في محاضرة ألقاها ضمن برنامج وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بعنوان (رياض الشريعة) أن تقوى الله تعالى أول أسس الاطمئنان للفرد وللأسرة وللمجتمع على الإطلاق.
وحث فضيلته على الخلق الفاضل، وقال: إنه ركيزة يجب أن يتربى بها كل من الزوجين والأولاد.
وحذر في محاضرته التي أقيمت في جامع المدة بولاية نزوى في محافظة الداخلية من أن البيت الذي لا يذكر فيه الله تعالى ولا يتلى فيه القرآن تتنازعه الشياطين وتستولي على أهله لتثير بينهم العداوة ولتصدهم عن ذكر الله وعن الصلاة وتسرح فيه وتمرح .. وإلى ما جاء في الحلقة الأولى من المحاضرة..

يقول المعمري: إن البيت الذي ينشئه المؤمن منذ بداية أمره ينبغي أن يكون بيتا قائما على طاعة الله تعالى فإن الاطمئنان في الأسرة إنما ينشأ أولا عن تقوى الله جل وعلا؛ ولذا فإن أول أسس الاطمئنان للفرد وللأسرة للمجتمع على الإطلاق إنما هو تقوى الله تعالى، ودون تقوى الله عز وجل لن يحصل اطمئنان؛ لأن الاطمئنان إنما يكون بسبب الإيمان، وذلك من التقوى كما قال الله سبحانه (الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)، فبيت لا يذكر فيه اسم الله عز وجل لا بالقلب ولا باللسان فما عسى أن يكون حال هذا البيت إلا أنه تتنازعه الشياطين وتستولي على أهله لتثير بينهم العداوة ولتصدهم عن ذكر الله وعن الصلاة، تسرح فيه وتمرح ولو أنه أقيم فيه ذكر الله عز وجل لما وجدت الشياطين منفذا للولوج إليه؛ لأنه مع ذكر الله تعالى تهرب الشياطين (وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا ، وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآَنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا)، إذا أعلن في بيت ذكر الله تعالى فإن الشيطان يخنس ويهرب ويسمع له صوت كالضراط كما ورد في الأذان فكيف إذا كان هذا البيت عامرا صباحه ومساؤه بذكر الله بالقلب قبل اللسان إيمانا به سبحانه وتعالى وتوكلا عليه وتفويضا لحكمه واستسلاما لأمره ورضا بقضائه وقدره وصبرا على بلائه وشكرا على نعمائه.
إن القلوب التي تؤمر بهذا الإيمان هي التي تشع نورا على هذا البيت لتعم الإنسان والحيوان والجماد الذين يعيشون في كنف هذا النور أو في امتداد أثره فإذا خفت هذا النور حضرت الشياطين واشتدت الظلمة؛ ولذا أول ما ينبغي أن نقوم به هو الإيمان الحق بالله سبحانه وتعالى بذكره بالقلب فلا يغفل القلب عن ذكر الله تعالى مطلقا ثم بذكره باللسان لأجل تذكير النفس به وتذكير الغير وشغل اللسان عن المعصية واللغو؛ لذلك تكون تقوى الله تعالى قائمة على هذا الأساس المتين (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ).
فبعد ذلك تأتي صفات المتقين الأخرى التي ذكرت في الآية الكريمة السابقة وغيرها من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة أو الإتيان بجميع الواجبات الشرعية والكف عن جميع المحرمات مع التزام الأخلاق والخصال الحميدة وأداء الحقوق إلى أهلها، لذلك ينعم البيت بكل راحة وطمأنينة إذ يعرف كل فرد حدوده فلا يتجاوزها إلى إيذاء غيره سواء كان زوجا أو أبا أو أما أو ولدا أو أخا أو أختا أو غير هؤلاء ممن يسكنون هذا البيت، كما قال الله سبحانه وتعالى: «تلك حدود الله فلا تعتدوها»، ولذلك يأمر المولى تعالى بالتقوى خاصة أثناء بيانه سبحانه لأحكام الأسرة من عقد زواج أو فرقة بطلاق أو غيره وحقوق للزوج والزوجة ونحو ذلك من الأحكام المتعلقة بالأسرة فيقول: «وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ» «وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ»، وهكذا لماذا يأمر بالتقوى؛ لأن التقوى هي السياج الحافظ من معصية الله تعالى، وهي الدافع لأداء الحقوق وهي الرقيب من النفس لالتزام الأخلاق وحفظ الذمة من الاعتداء حال الخلوة دون رقيب من الخلق؛ فالزوج وزوجه معا في البيت لا رقيب عليهما إلا الله إن لم توجد التقوى فيسهل اعتداء القوي منهما على الضعيف أو الصحيح على المريض أو الغني على الفقير ومع وجود التقوى يستحضر التقي رقابة الله تعالى عليه وإحاطته بجميع أعماله فيستحضر الجزاء على عمله إن خيرا فخير وإن شرا فشر، فتدفعه التقوى للقيام بالحق على أي حال؛ لأنه لا يسعى لرضا الخلق وإنما يسعى لرضا خالق الخلق سبحانه وتعالى، بل فوق ذلك تدفع التقوى صاحبها إلى إحسان المعاملة بمقابلة الإساءة بالإحسان «والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين» هذه صفات المتقين كما ذكر المولى سبحانه وتعالى.
إذا التقوى ضمان فمن أراد الخير والاطمئنان لنفسه ولزوجه ولأولاده فعليه أن يكون تقيا لله عزو وجل وعليه أن يربي أهله وولده على التقوى فإنه سيسعد فإن قصّر في ذلك فلا يلومن إلا نفسه إن لم يرب أولاده على التقوى فإنهم سيعقونه، وقد يؤذونه إن لم يرب زوجه وبقية نساء بيته على تقوى عز وجل، فربما تظهر له قرون قبل مشيبه بسبب الأذى الذي قد يناله من كيد النساء، وقد يفترى عليه، وقد يؤذى بعدم القيام بحقه ماديا ومعنويا؛ ولذلك يقول الله تعالى (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا): إن هذا الأثر بتربية أهل البيت على التقوى لا يقتصر على حياة الزوج وإنما يستمر بعد مماته أيضا ليحفظوا له عهده ويقوموا بأداء حقه حتى بعد موته ليس ماديا فحسب بإنفاذ وصيته وإنما معنويا أيضا بالسير على طريقته في تقوى الله تعالى حتى يلتقوا جميعا في جنة الخلد بإذنه وتوفيقه سبحانه وتعالى (وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ).

الخلق الفاضل

ويضيف المعمري: أن الأسرة المطمئنة تقوم على ركيزة الخلق الفاضل فيجب أن يتربى كل من الزوجين والأولاد بل كل من يعيش في بيت مؤمن على حسن الخلق، فقد ذهب حسن الخلق بخير الدنيا وخير الآخرة، (إن أقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا) هكذا ورد في الحديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وقال عليه الصلاة والسلام: (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهله) فلا يكون التعاون بين الزوجين على المشاحة في الحقوق بحيث يطالب كل واحد صاحبه بأداء حقه فحسب، وإنما يتجاوز ذلك بالتنازل عن حقه في بعض الأحيان مراعاة لضعف الطرف الآخر، وربما يناله إساءة فيتحملها لا أدعو بذلك إلى استعلاء طرف على طرف باستغلال هذا المبدأ وإنما أتكلم عن هذا إن كانت النيات سليمة والعلاقة حسنة فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يفرك مؤمن مؤمنة) أي لا يبغض مؤمن مؤمنة، (إن كره منها خلقا رضي منها آخر)؛ ولذلك يقول المولى سبحانه وتعالى: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا).
فالإنسان ضعيف وناقص سواء كان ذكرا أم أنثى، فربما قد يبدر منه ما لا يحمد، وكما يقول الشاعر:

وأغفر عوراء الكريم ادخاره
وأعرض عن شتم اللئيم تكرما

فربما يكون لدى المرء سبب لضيق فيتصرف بما لا يليق فإن عاد عليه رشده اعتذر عما بدر منه؛ لأنه ليس أصيلا فيه وإنما كان عن سبب طارئ فينبغي أن تحفظ له سابقته، وأن يشكر له فضله فلطالما أحسن من قبل فهذا رد لجميله لحفظ ذمته والستر على منقصته وربما يكون مجرد غشاوة إذا أزيلت لمع معدنه الأصيل فلا يتسرع بالحكم عليه لطارئ يزول بزوال علته.
لذا فيتحمل كل من الزوجين الآخر إن كان لم يكن على هذا المبدأ؛ لأن الحياة الزوجية لا تكون علاقة مصالح ينتفع أحد الطرفين بصاحبه، ثم إذا فقد منه منفعته ألقاه ونسي فضله، كلا. بل يعيشان الحلو والمر معا. وربما تكون أيام المر مع وجود القرين الحبيب أحلى بسبب قوة العلاقة وربما تكون معها ذكريات جميلة جدا تستحضر لقوة القرابة القرب بينهما؛ لأن الشدة تجمع وتؤلف بينما الغنى والسعة تطغى وتفرق في بعض الأحيان، وربما في كثير من الأحيان؛ فلذلك يجب أن يكون البيت المسلم قائما على حسن الخلق، هكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم رباه ربه على ذلك وربى أهل بيته على ذلك، حتى ورد في الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم من طريق أنس رضي الله تعالى عنه قوله: (خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما عابط عاما قط ولا قال لي لشيء فعلته لم فعلته ولا لشيء لم أفعله لم لم تفعله).
إذا كان هذا مع الخادم، فكيف مع بقية أهل البيت (إخوانكم خولكم أطعموهم مما تأكلون وألبسوهم مما تلبسون ولا تكلفوهم من الأعمال ما لا يطيقون فإن فعلتم فأعينوهم). هكذا يتعامل مع الخدم بل المماليك من العبيد أو الإماء داخل البيت، فما بالكم بالزوج ما بالكم بالإخوة ما بالكم بالوالدين، والله تعالى يقول: (واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا)، هكذا البيت المسلم يجب أن يكون قائما على حسن الخلق في جميع التعاملات. ربما يقولون: إن الألفة تذهب حسن الخلق أو المعاملة ولكن هذا ليس على إطلاقه ربما يقع بين الزوجين مثل هذا، ولكن ينبغي أن نحافظ على الأخلاق وحسن المعاملة قدر الإمكان فيما بيننا حتى في لحظات المودة والسعادة؛ لأن حضور ذلك مهم جدا شريطة ألا يكون مانعا من الانفتاح والانبساط مع الأهل والزوج والولد فلكل مكانه نعلم أنفسنا وأولادنا هذا الأمر.
يقول أحدنا لولده: (لو تكرمت قرب لي كذا) لا مانع بل هذا جميل مع أنه ولده ويستطيع أن يأمره مباشرة (افعل كذا أو لا تفعل) حتى يتعلم الولد التكريم والاحترام، ولا مانع بل الأولى والأفضل أن نكافئ الولد على فعل معروف حتى يتعلم أيضا شكر الناس فمن لا يشكر الناس لا يشكر الله.
لا كما يقول كثير من الناس: (لا شكر على واجب) بل اشكره ولو فعل واجبا، فإن الله تعالى يقول في نفسه (فإن الله شاكر عليم) يشكر العباد مع أنهم يقومون بواجبات من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة بل بعبادة الله ومع ذلك يشكرهم فنتعلم من هذا ألاّ نقطع الشكر أبدا فهذا يكون مع الجميع فضلا عن خلق الصدق والأمانة والعفاف وغير ذلك مما ينشأ عليه أهل البيت حتى يكون البيت مطمئنا؛ لأن التوسع في هذا قد يأخذ بنا مجالا طويلا مما لا مجال لتفصيله، وإنما نذكر هذه النقاط لأجل التذكير والتنبيه.