الذهب يستعيد مكانته كملاذ استثماري آمن

تقرير: المستثمرون يبحثون عن الحماية ويستعدون لجميع الاحتمالات –

سيواصل اتجاه السلع خلال مطلع عام 2019 تأثره بالقرارات التي اتخذتها واشنطن والبنوك المركزية خلال العام الماضي. وبدأت الآثار الملموسة للتداعيات الاقتصادية التي خلفتها الحرب التجارية التي شنّها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الصين بالظهور. وقد بدأت سياسة التشديد الكمي التي ينتهجها مجلس الاحتياطي الفيدرالي ووضع حد للتيسير الكمي من قبل البنك المركزي الأوروبي باقتطاع جزء من السيولة التي يحتاجها العالم المثقل بالديون من أجل دعم الطلب على الأصول ذات المخاطر الأعلى. وأشار تقرير السلع الأسبوعي الصادر عن ساكسو بنك إلى أن الذهب، الذي سجل أفضل شهر له منذ عامين خلال ديسمبر، استعاد بريقه كملاذ استثماري آمن في غمرة الاضطرابات التي تشهدها فئات الأصول الأخرى. كما ساهمت جوانبٌ من أمثال انخفاض عائدات السندات الأمريكية لأجل 10 سنوات إلى أدنى مستوى لها خلال عام تقريباً في دعم الطلب المتجدد على الذهب والفضة بالنظر إلى مستوياتها التاريخية الرخيصة مقابل الذهب، علاوة على انخفاض مستوى التوقعات بالإعلان عن ارتفاعات جديدة في أسعار الفائدة، وتوقف الدولار عن تسجيل أي ارتفاعات، وآخراً وليس أخيراً، الاضطرابات التي تشهدها الأسهم العالمية.

وفي حين يمكن لصفقة تجارية بين الولايات المتحدة والصين أن تساعد في مواجهة حالة الابتعاد عن المخاطر الحالية، فإن ديناميكيات السوق في نهاية دورة التداول، ومخاطر حدوث الركود، جنباً إلى جنب مع الخروج المستمر من حالة فرط النشاط التي استمرت على مدى عقد من الزمن بفعل عمليات ضخ السيولة التي أجرتها البنوك المركزية، ستساهم في إنشاء اتجاهات معاكسة جسيمة طوال العام. وفي هذه البيئة، فإنّنا نتوقع اتجاهاً صعودياً للمعادن الثمينة وفرصاً كامنةً في قطاع المعادن الصناعية، فضلاً عن اتجاه صعودي محدود للنفط مع تجاوز المعروض لمستويات الطلب خلال معظم فترات العام.
ويمكن لانخفاض أسعار العديد من السلع الرئيسية وتشديد الخناق على الأساسيات الاقتصادية أن يستمر باستقطاب بعض المشترين. وبالإضافة إلى ذلك، يمكن أن يظهر الدعم كاستجابة للدولار الأمريكي الضعيف، والجهود الصينية المكثفة لدعم الاقتصاد الصيني إلى جانب حالة الذعر المحتملة بين أوساط البنوك المركزية بشأن السياسات الاقتصادية والتي ذكرها ستين جاكوبسن في مقدمته.
الذهب والفضة
مع حدوث السيناريوهات المذكورة أعلاه مجدداً خلال عام 2019، فإننا نتوقع أن نشهد طلباً مستمراً على الذهب في ظل بحث المستثمرين مرةً أخرى عن الحماية من التقلبات وانعدام اليقين عبر فئات الأصول الأخرى. وقد ركزت صناديق التحوط أخيراً على حيازات مراكز التداول المفتوحة طويلة الأجل في العقود الآجلة للذهب خلال بداية شهر ديسمبر، بعد تركيزها على مراكز التداول قصيرة الأجل على مدى ستة أشهر. وينبغي لهذا الارتفاع في مستويات الطلب جنباً إلى جنب مع المراكمة المستمرة للذهب من قبل المستثمرين على المدى الطويل من خلال الصناديق المتداولة في البورصة أن يوفر دعماً كافياً للذهب لتسجيل ارتفاع إلى مجال مقاومته السعرية الرئيسي بين 1,360 و1,375 دولار للأونصة، حيث تم تسجيل مستويات عليا متتالية بين عامي 2016 و2018.
وينبغي أن تشهد بيئة الاستثمار الودية في قطاع المعادن الثمينة استعادة الفضة بعضاً من قوتها المفقودة أمام الذهب، بالرغم من ارتباطها بالمعادن الصناعية. وانطلاقاً من مستوىً هو الأدنى تاريخياً بواقع أكثر من 80، يمكن أن يشهد معدل أداء الذهب/‏ الفضة، المستخدم لقياس قيمة أونصة واحدة الذهب بالعدد الذي يقابلها من الفضة، انخفاضاً ملموساً يصل به إلى متوسط خمس سنوات من 74، بما يعكس ارتفاعاً بنسبة 10% في أداء الفضة. واستناداً إلى هذه الفرضية، نتوقع أن تبلغ أسعار نهاية العام مستوى 1,350 دولار للأونصة بالنسبة للذهب و18 دولاراً للأونصة بالنسبة للفضة.
ويمكن تصنيف توقعات الذهب بكونها محافظة نسبياً. ويرجى ملاحظة أن ارتفاع الأسعار فوق حاجز 1,375 دولار للأونصة، وهو أعلى مستوىً مسجل خلال عام 2016، قد يكون مؤشراً على توجه الذهب نحو بلوغ مستوى 1,480 دولار للأونصة الذي يمثل علامة منتصف الطريق نحو موجة المبيعات التي استمرت بين عامي 2011 و2015.
النفط الخام
لا تميل مسألة التنبؤ بمستوى السعر، ناهيك عن اتجاه قطاع النفط الخام، لتصبح أكثر سهولةً بعد النهاية القاسية لعام 2018. وكانت مخاطر ارتفاع الأسعار إلى مستوى 100 دولار للبرميل في مطلع شهر أكتوبر متبوعةً بانهيار حاد في أسعار خام برنت إلى مستوى 50 دولارا للبرميل قبل نهاية العام.
وتعتبر العوامل المتغيرة في قطاع النفط الخام كثيرةً للغاية، سواء كان ذلك بالنسبة للعرض أم الطلب. وبالإضافة إلى ذلك، فإننا نشهد مستويات متزايدة من التدخل السياسي، من قبل الرئيس ترامب وغيره من اللاعبين السياسيين، لذلك لا يعتبر تصاعد حالة انعدام اليقين مع بداية عام 2019 بالأمر المستغرب. ويمكن لمنتجي النفط دعم الأسعار من خلال تقليص المعروض، ولكن في ظل التساؤلات الكثيرة بشأن النمو العالمي، يكافح هؤلاء المنتجون لاتخاذ الإجراءات المناسبة من أجل الاستجابة للانهيار الأخير.
ومع ذلك، نحن نتوقع أن يتعافى النفط الخام بصورة تتجاوز ما تحقق بالفعل خلال مطلع شهر يناير. وبالنسبة للطلب، تقوم السوق بوضع الأسعار في ظل التدهور الحاد للنمو العالمي، وساهم هذا الأمر في ظهور «مخاطر» حدوث مفاجأة إيجابية. ومن شأن اتفاق منظمة ’أوبك‘ والمنتجين المستقلين على خفض الإنتاج بواقع 1.2 مليون برميل يومياً اعتباراً من شهر يناير ولمدة ستة أشهر أن يساعد في تحقيق الاستقرار للسوق. ويشير الدعم الإضافي الذي يمكن أن توفره الولايات المتحدة إلى عدم رغبتها بتقديم المزيد من التنازلات بعد أن سمحت لثماني دول بمواصلة شراء النفط من إيران خلال شهر نوفمبر الماضي.
وفي ذات الوقت، يبقى الإنتاج الأمريكي بمثابة نقطة اهتمام رئيسية، حيث إن زيادة الإنتاج خلال العام الماضي، جنباً إلى جنب مع التنازلات المذكورة آنفاً، هي التي ساعدت على عكس الاتجاه الصعودي في السوق. ومن المرجح أن يتباطأ نمو إنتاج النفط الصخري الأمريكي في أعقاب هبوط الأسعار، ولكن لو أخذنا موجة البيع بين عامي 2014 إلى 2016 كمثالٍ في هذا الإطار، سنجد أن الأمر قد يستغرق بين 3-6 أشهر قبل ظهور أي تأثيرٍ واضح في البيانات التي تواصل إظهار تحقيق نموٍ على أساس سنوي يقترب من نحو 2 مليون برميل/‏ يومياً بالرغم من أنها كانت مستقرةً مع نهاية العام.
وخلال الربع الأول، نتوقع أن يتجاوز متوسط أسعار خام غرب تكساس الوسيط مستوى 50 دولارا للبرميل بشكل طفيف، حيث يستقر متوسط الأسعار ضمن مجال 45 -55 دولارا للبرميل في انتظار حدوث المزيد من التطورات على مستوى التداول، وسيكون التعداد الأسبوعي لعدد حفارات النفط الأمريكية بمثابة دليل مستقبلي للإنتاج وقدرة منظمة ’أوبك‘ والمنتجين المستقلين على تحقيق تخفيضات الإنتاج المتفق عليها. ومن المرجح أن يكون خام برنت قد بلغ أدنى مستوىً له بالفعل عند المستوى الفني والنفسي البالغ 50 دولارا للبرميل، ونحن نتوقع أن يبلغ متوسط أسعار من 60 دولارا للبرميل بينما يستقر ضمن مجال 55-65 دولارا للبرميل.
النحاس
بعد عمليات البيع الأولية التي بدأت مع اندلاع الحرب التجارية خلال شهر يونيو الماضي، أمضى النحاس بقية العام ضمن مجال الأسعار في ظل الصدمات التي سببتها الأخبار السلبية المتعلقة بالسوق. وبالرغم من أن العوامل الأساسية بدأت بالتحسن، كما هو ملحوظ من خلال الأسهم المتوفرة وتوقعات تقليص المعروض، ساهمت المخاطر الرئيسية ذات الصلة بالحروب التجارية والبيانات الاقتصادية الضعيفة في استمرار حالة الجمود.
وفي نهاية المطاف، نحن نتوقع أن تساهم تهدئة الحرب التجارية الدائرة بين الولايات المتحدة والصين، واتخاذ الصين لمزيد من إجراءات تسهيل السياسات، جنباً إلى جنب مع توقعات تقليص المعروض بشكل نسبي، في توفير الدعم الذي يحتاجه النحاس لتحقيق عوائد إيجابية خلال عام 2019. وانطلاقاً من مستوى الأسعار الحالي عند 2.65 دولار للرطل، نحن نتوقع عودة أسعار النحاس عالي الجودة إلى حدود 3 دولارات للرطل في النصف الأول من 2019، أي ما يعادل 6,600 دولار لطن النحاس في «بورصة لندن للمعادن».
وغني عن القول أن مخاطر الركود التي قد تؤثر على أنشطة الإسكان ومبيعات السيارات لا تزال تمثل الخطر الأكبر بالنسبة لهذه الفرضية. وشهدت سوق السيارات الصينية خلال الشهر الماضي انخفاضاً شهرياً هو الأكثر حدةً منذ ست سنوات، مما أدى إلى حدوث انخفاض سنوي هو الأول منذ ثلاثة عقود.