نوافذ :«اخلع حذاءك عند زيارتي»

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –

«اخلع حذاءك عند زيارتي»
أضع هنا علامة تنصيص على جملة العنوان، لاستحبابي استخدامها لهذه المناقشة؛ والتي جاءت عنوانا لموضوع يتحدث عن خطورة استخدام الحذاء داخل المنزل؛ حيث تؤكد المعلومة التي جاءت تحت هذا العنوان على أن الأحذية تعمل على جلب الجراثيم الى داخل المنازل، ويصل عددها الى (420) نوعا، وخلاصة المعلومة جاءت عن دراسة علمية:«أجراها تشارلز جيربا الأخصائي في علم الأحياء الدقيقة في جامعة أريزونا تبين أن الناقل الأساسي للجراثيم المسببة للالتهابات في الأمعاء والمجاري البولية والفشل الكلوي، هو الحذاء، ويأتي تلوث أسفل الأحذية من الشوارع، والمشي فوق مخلفات الطيور، ودخول المراحيض العامة والخاصة، والمشي قرب مجاري الصرف الصحي في الشتاء، وكذلك أرضيات المشافي، وأكدت الباحثة النمساوية – داغمار شودر من موقع فوكوس – أن الأحذية هي الأكثر خطورة في نقل البكتيريا الدقيقة». وتأتي التوصية التي خرجت بها الدراسة هي «عدم دخول غرفة المعيشة والطعام بأحذيتنا، والأفضل هو خلع الحذاء عند عتبة المنزل خاصة إذا كان بالمنزل أطفال».
ذكر في الخبر أيضا أن خلع الحذاء عند دخول المنزل هي من عادات الدمشقيين، واليابانيين، والأتراك، وعند هذه النقطة بالذات أقف أكثر للحديث عن هذا الجانب، فحتى عهد قريب، ينطبق علينا هذا القول أيضا – نحن هنا في عمان – فعادة خلع الحذاء عند دخول المنازل، ودخول المجالس تعد قيمة خلقية رفيعة، تدل على الأخلاق العالية، والذوق الرفيع، والاحترام والتقدير للمزور من قبل الزائر، ومن يأتي بفعل مخالف لذلك ينظر إليه بكثير من الاحتقار و«قلة الأدب» وعدم التقدير، والبطر والفوقية «المقيتة».
طبعا؛ اليوم تبدل الحال، وتغيرت النظرة، حيث تم التنازل عن كل هذه الـ «كلفة» الأخلاقية، ونظر الى المسألة؛ لبس الحذاء داخل المجلس؛ نوعا من الـ «برستيج» والتحضر، وهناك من أصحاب المنازل من يجبرك؛ وأنت تدخل منزله؛ على عدم خلع حذاءك، فتدخل بحذائك على «مضض» لأنك لم تتعود على ذلك، وترى في نفسك أن هذا التصرف ليس من أخلاقك، حتى وإن أصر عليك صاحب المنزل على ذلك.
هنا أيضا؛ أسجل موقفا حصل لي عندما ذهبت الى تأدية واجب المواساة لأحد الأصدقاء في إحدى ولايات السلطنة، فعندما جئت الى خيمة العزاء لم أجد نعالا واحدا خارج الخيمة، فتجاوزت ذلك، وخلعت حذائي في الخارج، ولم أدرك أن الجميع من في الخيمة يلبسون أحذيتهم؛ حيث إنني لم أر ذلك من قبل، فحالنا في الشرقية؛ على سبيل المثال؛ نخلع أحذيتنا خارج المجلس، والسلام على الناس من دون لبس الحذاء، وعندما تكرر نفس الموقف في مناسبة «مواساة» ثانية في ذات الولاية، سلمت على الناس وأنا لابس للحذاء، ولكنني لم أكن راضيا على نفسي أبدا، وما زلت أنظر الى هذا السلوك على أنه «غريب» بامتياز.
تفرض الحياة الحديثة على الناس سلوكيات، وممارسات غريبة، ينظر إليها في البدايات على أنها غريبة، وغير مستساغة، وعلى الآخرين أن يتقبلوها، وإن تصادمت مع قناعاتهم، وقيمهم، حيث يظل ذلك واقعا لا محيد عنه، مع أنه؛ ووفقا للدراسة السابقة؛ يكون لبعض المحددات القيمية قيمتها؛ ليست الخلقية فقط؛ بل الصحية أيضا، وهي المهمة هنا، والسؤال: فما هي القيمة الحضارية التي يود البعض ترسيخها في الآخرين من لبس الحذاء وهم جلوس على الأرائك الفخمة الغالية الثمن في المجلس، مع أنه لا يفصل باب المجلس عن صحن المجلس سوى نصف متر فقط؟
فمثل هذه الدراسات وغيرها المتعلقة بكثير من القيم السلوكية التقليدية التي كان عليها الناس حتى عهد قريب، تؤكد على أن جل السلوكيات القيمية هي في مسارها الصحيح في حياة الناس، وأن منافعها لهم، أكثر من مضارها، وأن مجموعة السلوكيات التي يراها الناس اليوم على أنها تعكس شيئا من التطور والتحضر، هي سلوكيات خاطئة وضررها عليهم أكثر من فوائدها، ومع ذلك تبقى الفرصة متاحة لـ «خط رجعة» لمن يريد أن يُبقي على قيَمِه الرفيعة.