الموت أقدم عاصمة في التاريخ

عادل محمود –

في خمسين سنة من العيش – والحياة، في مدينة دمشق، رأيت الحروب كلها. وفي كل هذه الحروب كانت دمشق في الليل تغلق أبوابها ونوافذها وتلثم وتبلسم جراحها وتنام.
كنت في العشرين عندما، ذات ليل في فبراير، أفقت على الرصاص بغزارة صوتية تصدر عن حرب. كان الاشتباك في منطقة الروضة، حيث بيت الرئيس الجنرال أمين الحافظ الذي اقتحمه قادة انقلاب. وفي ساحة الأمويين حيث وزارة الدفاع، والإذاعة والتلفزيون… والبيان رقم واحد.
كانت دمشق نائمة كعادتها، ولا تترك الفجر يمرّ دون أن تتفقد صوت المؤذن، وباعة السحلب، ولكنها اليوم تنام في ظلال الرصاص. صعدت إلى سطح البيت الذي أسكنه، وتفرجت على الطلقات الخطاطة وسمعت لأول مرة الصوت الأجش الأحمق الرهيب لمدافع الدبابات. وحين اصطدمت رصاصة ببرميل الماء إلى جواري… هبطت إلى داخل نفسي، واحتميت من المستقبل بسريري.
وكنت في الواحد والعشرين عندما بدأت حرب ‏يونيو بعد عام وأربعة أشهر من الانقلاب آنف الذكر. وقفنا على أسطح جامعة دمشق نتفرج على أسراب الطائرات الإسرائيلية وهي تقصف المطارات (مطار المزة أمامنا) وحين اشتد الهدير، أعطونا سلاحا ووزعونا في غوطة دمشق انتظارا للمظليين الإسرائيليين ولم يأتوا… وكانت دمشق في غيبوبة العتم، مدينة مهجورة كأنما تشكل في أزقتها، كون أول من الصمت. كان هدير الطائرات المنخفضة المعادية يدل على إتمام هزيمة الجيش. وفي منتصف ليل التاسع من حزيران1967 سقطت مدينة القنيطرة. وبكت شقيقتها دمشق في صمت أسود.
وكنت في الرابعة والعشرين عندما نامت دمشق في إحدى ليالي نوفمبر 1970 باكراً. لأن انقلابا برصاص أقل وتوجس أكبر قد أعلن حالة الغموض المخيف… المستقبل، مرة أخرى، بالرصاص .
دمشق لا تسأل… هي تعرف من الماضي «أنها مؤلفة من بقايا الآلام» تغلق بابها ونوافذها… وتنام.
وكنت في السابعة والعشرين… عندما اندلعت حرب تشرين. فذهبت مراسلا حربيا إلى الجولان… وكنت عندما أعود ليلا أتفرج على دمشق الهادئة الصامتة المتوجسة، كيف تفرش صمتها… وتنام.
وكنت في الثلاثينات عندما اندلعت الحرب في لبنان… ذهبت إلى حيث هي، وعدت ليلا إلى دمشق، التي كانت قد احتضنت نازحي الحرب اللبنانية، ورأيت همها الثقيل… تأوي إلى صمتها الأبدي وتنام.
وكنت في الخمسين، والستين، والسبعين. حضرت وسمعت ورأيت، وكانت دمشق تزداد قنابل ودخانا وتمزقا وتهدما وتهجرا وصمتا… وكل ليلة أراها من نافذتي تغسل نفسها بالندى بعد أن جف نهرها… وتنام.
أمس… وقفت على شرفة منزلي أتفرج على صواريخ إسرائيل تنهال على دمشق.
هذه المرة لم أكن في أي نوع من الأعمار.
هذه المرة كنت مليئاً بالزمن، وليس بالسنوات… ودمشق الآن، تلك الليلة، كانت، كما في الماضي البربري البعيد، تشبه صدرا أسطوريا تسري إليه رماح من النار… تتوهج النار في دمها وتنطفئ.
هذه المرة كنت كائنا مليئا بالزمن وليس بالسنوات … ومشق كانت، كما في الماضي البربري البعيد، تشبه صدراً أسطورياً تسري إليه رماح من النار… تتوهج في دمها وتنطفئ.
هذه المرة… مرة أخرى تغلق بابها ونوافذها، وترتب الأزمنة والحروب والآلام، وتطفئ مصباحها… وتنام.
قلت في سري: «الموت أقدم عاصمة في التاريخ». ولكنني حين أفقت في الصباح المتأخر على طاولتي هذه الجملة: «الحياة تموت… فليكن ذلك. ولكن لا يجوز للموت أن يعيش».