نهاية الحرب في سوريا

عوض بن سعيد باقوير – صحفي ومحلل سياسي –

عدد من المؤشرات تشير إلى أن دورة الحرب في سوريا التي اندلعت عام 2011 قد بلغت مداها في ظل التوازنات الإقليمية والدولية التي شكلت مسار تلك الحرب، ومن هنا فإن الإعلان الأمريكي عن سحب القوات من شرق الفرات يؤكد تلك المؤشرات بصرف النظر عن الموعد المحدد لذلك الانسحاب، ولم يبق من تعقيدات تؤخر النهاية الحتمية لنهاية الحرب في سوريا سوى الترتيبات الخاصة بقوات حماية الشعب الكردية من خلال تفاهمات أمريكية – تركية وتشاور مع الجانب السوري وعلى ضوء التقارب الدبلوماسي العربي مع دمشق فإن ثمة أجواء إيجابية تتحدث عن انطلاق المسار السياسي لعودة سوريا مجددا إلى وضعها الطبيعي وإيجاد قواسم مشتركة بين الحكومة السورية والمعارضة.

الحسم العسكري انتهى

منذ اندلاع الحرب في سوريا والمؤشرات تقو: إن الحسم العسكري سوف يكون مستحيلا في ظل تعدد الأطراف الإقليمية والدولية المشاركة في تلك الحرب تبعا لمصالحها الاستراتيجية، ولعل المتغير الأهم الذي قلب موازين القوى هو التدخل الروسي بشكل لم يسبق له مثيل الذي أصبح اللاعب الأساسي في الصراع العسكري في سوريا.
ولا شك أن المصلحة الوطنية تشير إلى أهمية إنهاء الحرب التي تسببت في مقتل الآلاف من السوريين والجرحى واللاجئين وخلق أزمة إنسانية كبيرة لا تزال متواصلة، ومن هنا فإن انسحاب القوات الأمريكية المرتقب يعد نقلة حيوية في إطار إنهاء الحرب وأن يتم التوافق بين الفرقاء السوريين وإعادة الإعمار وعودة اللاجئين السوريين إلى ديارهم بعد تلك المأساة الإنسانية.
هناك بعض التعقيدات لا تزال موجودة، ولعل في مقدمتها العدوان الإسرائيلي على سوريا بين فترة وأخرى تحت دعاوى وجود القوات الإيرانية في مواجهة الحدود مع الكيان الإسرائيلي، وهي حجة واهية من قبل إسرائيل التي تريد إشعال المزيد من الصراعات في المنطقة العربية، كما أن التواجد الروسي والإيراني وحتى قوات حزب الله سوف تنسحب بعد إقرار السلام في سوريا وانتهاء الحرب وانتهاء مبرر وجودها.
محادثات جنيف حول التوافق السياسي بين الحكومة السورية والمعارضة تعد في غاية الأهمية في هذه المرحلة، كما أن الشعب السوري في الداخل والشتات يتطلع إلى انتهاء الصراع والعودة إلى دياره ومجتمعه الذي مزقته الحرب على مدى سنوات، ومع اقتراب الحرب على نهايتها في سوريا فإن العالم العربي لا بد أن يلعب دوره القومي من خلال المساعدة أولا على إيجاد التوافق السوري- السوري، وبعد ذلك دوره في عملية الإعمار؛ حيث إن فتح عدد من البعثات الدبلوماسية العربية في العاصمة السورية في دمشق يعد مؤشرا على أن الأوضاع الطبيعية تسير بشكل متسارع، وهذا متغير آخر يعجل بنهاية الحرب بشكل فعلي.

قضية الأكراد

لاتزال مشكلة قوات حماية الشعب الكردية المتمركزة في شرق الفرات تثير قلق الجانب التركي؛ حيث ترفض أنقرة أي تواجد لتلك القوات على حدودها الجنوبية، ومن هنا بدأ التنسيق والحوار بين الولايات المتحدة وتركيا لإيجاد ترتيبات وتفاهمات تنهي الإشكال الكردي خاصة أن المنطقة تعد حيوية وأيضا في ظل صراع تركيا مع حزب العمال الكردستاني في تركيا وشمال العراق وعلى ضوء تطورات الانسحاب الأمريكي المرتقب من سوريا فإن الأكراد يريدون حماية أمريكية من أي هجمات تركية، وهو الأمر الذي سوف يتحقق في إطار ترتيبات ما بعد الحرب.
وجود منطقه آمنة في شرق سوريا أصبحت إحدى الآليات التي قد يتفق عليها الأطراف، كما أن تسليم المنطقة للقوات الحكومية السورية والالتزام بحماية قوات حماية الشعب الكردي قد تكون أيضا أحد المسارات التي تنهي هذا الخلاف الذي يعد آخر المشكلات المتعلقة بأطراف الحرب فالحرب على داعش هو موضوع متفق عليه من كل الأطراف.
إن العملية السياسية لترتيبات ما بعد الحرب ينبغي أن تستمر حتى مع وجود بعض التعقيدات الخاصة باللجنة الخاصة بكتابة الدستور السوري الجديد، ومن هنا فإن وجود المسارين السياسي والترتيبات العسكرية في شرق الفرات هي مسألة في غاية الأهمية.
موضوع الأكراد في سوريا هو موضوع حساس لتركيا ورغم ذلك فإن الترتيبات المشار لها سوف تكون مخرجا مناسبا للحفاظ على وحدة سوريا، وأن تندمج القوات الكردية في الترتيبات السياسية والعسكرية، منها أن تلتحق تلك القوات بالجيش السوري من خلال تلك الترتيبات السياسية المنتظرة، ولعل الوضع المعقد في سوريا الذي خلفته الحرب يفرض على الفرقاء بمن فيهم الأكراد أن تكون هناك مرونة سياسية لصالح الوطن السوري والشعب السوري وإنهاء مأساة ملايين اللاجئين.

موضوع الدستور

موضوع الدستور يعد من المسائل الشائكة في سوريا لتحقيق التوافق السياسي وهناك محادثات متواصلة في جنيف وفي الآستانة ومن خلال جهود مبعوث الأمم المتحدة وروسيا وحتى الولايات المتحدة للتوصل إلى توافق سياسي من خلال إقرار دستوري شامل يعطي الحقوق لكل السوريين حيث إن مأساة الحرب أفرزت حقائق جديدة على الأرض.
الحكومة السورية ترفض أن تكون اللجنة مشكلة من جهات خارجية حتى من الأمم المتحدة، ومع ذلك فإن إيجاد لجنة قانونية محايدة ربما تشكل مخرجا لإيجاد دستور شامل لسوريا يتماشى ومرحلة ما بعد الحرب، وهو أمر مطلوب حتى تتجنب سوريا أي حروب أو صراعات في المستقبل، وهذا أمر في غاية الأهمية؛ حيث إن استقرار الدول لا بد أن يكون من خلال مظلة دستورية تعرف بالحقوق والواجبات وأن يشارك الجميع في بناء الدولة السورية.
لقد تحمل الشعب السوري نتائج كارثية للحرب وتداعياتها، وقد حان الوقت للفرقاء السوريين أن يضعوا مصلحة الشعب السوري نصب أعينهم في ظل مناخ من الإيجابية العربية نحو سوريا من خلال عودة العلاقات مع دمشق؛ حيث إن عزلة سوريا لا تفيد التكتل العربي، وهو الأمر الذي ينطبق على ليبيا التي تعاني هي الأخرى من صراع مشابه بين الفرقاء، وعلى ضوء تلك الحقائق فإن الدستور ينبغي أن يضمن الحقوق الثابتة لكل السوريين وأن تكون هناك انتخابات رئاسية وتشريعية نزيهة تضمن للوطن السوري الاستقرار والسلام وأن صندوق الاقتراع هو الذي يحدد من يحكم سوريا في القادم من الوقت.
إن سوريا تعرضت لحرب مدمرة كان ضحيتها الشعب السوري والمقدرات السورية، ومع ذلك فإن هذا يعد درسا كبيرا لا بد من التعلم منه فالأوطان تحتاج إلى سياج وطني، وإلى البناء والحوار حتى مع وجود الخلافات السياسية، ومن هنا فإن المرحلة الحالية تحتم التوافق بين الفرقاء أولا بصرف النظر عن الانسحاب الأمريكي من عدمه علاوة على أن المزاعم الإسرائيلية لا قيمة لها؛ فهي تدخل في إطار المناورات السياسية وصرف النظر عن القضية المركزية للعرب، وهي القضية الفلسطينية التي تحاول إسرائيل أن تجد آليات لتصفيتها من خلال الدعم المباشر من الإدارة الأمريكية، وهي آليات لن تنجح مع وجود الصمود الكبير من الشعب الفلسطيني.
إن انتهاء الحرب في سوريا يعد مقدمة لتفاهمات وطنية وأيضا خروج كل القوات من هذا البلد العربي الشقيق وأن يكون موضوع إعادة الإعمار هو الخطوة الأهم حتى يستعيد الشعب السوري أمنه واستقراره ويرجع إلى وطنه ودياره ويمارس حياته الطبيعية بشكل آمن ومستقر.