مرحلة جديدة في سياق الأزمة السورية

د.صلاح أبو نار –

يشير القرار لنزوع أمريكي للتخلي عن أي دور بناء في معالجة الأزمة السورية. انتهت الحرب بانتصار السلطة السورية، غير انه مجرد انتصار عسكري وليس سياسيا.

ماهي التداعيات والنتائج المحتملة لقرار ترامب بالانسحاب العسكري من سوريا؟ سؤال سنجده مطروحا على صفحات مواقع كثير من مراكز الأبحاث والدوريات السياسية، غير أن المطالعة المتأنية للتحليلات ستنتهي بنا لطرح سؤال سيبدو للوهلة الأولى شاذا: هل نواجه فعليا قرارا من هذا النمط؟
الأمر المؤكد انه في التاسع عشر من ديسمبر اصدر ترامب قرارا بهذا المضمون، ولكن المؤكد أيضا أن التطورات التالية وضعتنا أمام حقيقتين.
الأولى أن القرار شهد تعديلات وتفسيرات غيّرت مضامينه، والثانية انه حتى في حدود تلك التعديلات قد لا يقدر لهذا القرار أن ينفذ بأي معنى حقيقي. ولكن ليس أمامنا سوى التسليم بوجود قرار معدل في سياق التنفيذ، وبالتالي معالجة مسألة تداعياته المحتملة على الأزمة السورية.
اتخذ ترامب القرار في وجه معارضة داخلية عامة، فلم يعارضه فقط ماتيس وزير الدفاع، بل أيضا صقور الإدارة: بومبيو وزير خارجيته وبولتون مستشاره للأمن القومي، وأسفرت المعارضة عن استقالة ماتيس ومعه الجنرال بريت ماكجوراك المسؤل الأمريكي الخاص بالتحالف الدولي ضد تنظيم داعش. ولكن القرار لم يتخذ في وجه معارضة داخلية فقط، بل أيضا بالتناقض مع مواقف مسبقة من أهم أعمدة الإدارة: بولتون مستشاره للأمن القومي، الذي صرح في الأسابيع السابقة على اتخاذ القرار أن الانسحاب، لن يتم طالما وجدت قوات إيرانية أو موالية لإيران داخل سوريا، وهو ما يعني عدم وجود أي موعد مفترض للانسحاب. وما أن اتخذ القرار واهتزت أروقة الإدارة الأمريكية من وقع المفاجأة، حتى أخذت التعديلات والتحفظات تتوالى عليه، من جهات الإدارة المختلفة.
في علته الأساسية المعلنة استند القرار إلى أن سبب وجود القوات هو القضاء على داعش، وبما أنها انتهت لم تعد هناك ضرورة لوجودها . تبرير سرعان ما أنكره البنتاجون رسميا، قائلا: إنها ليست فقط موجودة بل قادرة على التهديد واستعاده ما فقدته من أراض، إذا واجهت انسحابا أمريكيا.
في صيغته الأصلية نص القرار بوضوح على انسحاب خلال 30 يوما ودونما ربطه بأي شروط. ولكن تدخلات بلتون والخارجية والبنتاجون حولته إلى قرار آخر حول نفس الموضوع. فاستطالت المدة لأربعة اشهر، ثم أضحت مفتوحة مع دخول شرطين وضعهما بولتون.
الأول اكتمال هزيمة داعش. والثاني تعهد الأتراك بعدم مهاجمة الأكراد، وهو شرط طرحه بولتون علنا قبل زيارته الأخيرة لأنقرة وشكل هدف الزيارة، واستهجنه اردوغان ورفض بسببه الاجتماع به. وفي اصله لم يكن القرار مقرونا بخطط عسكرية بديلة، وهو ما رفضه البنتاجون وسعى لتخطيه بصياغة خطط بديلة سيتقدم بها للرئيس. وفي حدود المعلن منها تشمل استمرار سياسة الضربات الجوية، ونقل القوات الأمريكية من داخل سوريا إلى العراق بالقرب من الحدود، مع تخصيص وحدات كوماندوز منها للتدخل الفوري في سوريا عند الضرورة. وفي تحليلها لتحولات القرار، أوردت هوفينجتون بوست عن السيناتور ليندساي جراهام تلخيصا لما عرفه أثناء لقاء بترامب، يفيد أنه مصمم على قرار الانسحاب، ولكن رحلته للعراق جعلته يعيد تقييم وضع داعش على ضوء الحقائق الميدانية، وهناك إعادة تقييم شاملة لكيفية التنفيذ، وأن الانسحاب «سيستغرق وقتا طويلا، وربما أطول مما يتخيله أحد».
حالة من التخبط تطرح سؤالا منطقيا: لماذا اتخذ ترامب قرارا بهذا الحجم عبر هذا الأسلوب؟
هناك عامل افتراضي يتعلق بشخصيته وطريقته الذاتية والفردية في اتخاذ القرارات، وتردي وضعه الداخلي الذي يدفعه لممارسة دور السياسي القوي القادر على القرارات الصعبة. وهناك عامل آخر مؤكد يتصل بصفقة عقدت مع اردوغان، أعقاب إطلاقه للتهديدات باجتياح منطقة شرق الفرات واستئصال قوات الأكراد، في الأسبوع الثاني من ديسمبر. واستعد الأتراك بالفعل لحملة هدفها خلق شريط حدودي بعمق 20 – 30 كيلو مترا يبعد قوات حماية الشعب الكردي عن حدودهم، وبالتالي إمكانية التواصل مع قوات حزب العمال الكردستاني التركي، الأمر الذي كان يهدد بصدام عسكري بين الحليفين الأمريكي والتركي. ومن المعتقد أن هناك صفقة ما حدثت. وما أعلن وفهم منها هو انسحاب أمريكي من شرق الفرات، يتيح لتركيا تحقيق مطالبها الحدودية من جهة، مقابل تعهدها بمتابعة بقايا داعش من جهة أخرى. ويبدو الأمر مثيرا للدهشة، لأن التعهد المذكور الذي قدمه اردوغان في مكالمة بتاريخ 14 ديسمبر، لا يعني أي شيء عمليا لأن مناطق تمركز داعش بعيدة تماما عن الحدود التركية، وان كان هناك من يطالب بتعهد للتصدي لداعش فلن تكون تركيا البعيدة. ويشير هذا إلى عنصر غائب في الصفقة لا يعلمه احد، كتعاونها مع ترتيبات إقليمية ما يجري الإعداد لها.
ويعيدنا هذا إلى سؤال: ما هي تداعيات ونتائج القرار على المستوى السوري؟
يشير القرار لنزوع أمريكي للتخلي عن أي دور بناء في معالجة الأزمة السورية. انتهت الحرب بانتصار السلطة السورية، غير انه مجرد انتصار عسكري وليس سياسيا. ولكي يصبح انتصارا سياسيا في حاجة إلى عمليتين مترابطتين: مصالحة وطنية وإعادة بناء سوريا بما يسمح بعودة ملايين اللاجئين، ودونما ذلك سيظل انتصارا في قلب الدمار الشامل، وقادر على توليد حركات عنف سياسي عاتية. والمشكلة أن السلطة السورية مدعومة من روسيا تقف في وجه أي مصالحة وطنية حقيقية جامعة، بينما الغرب ومعه الدول العربية القادرة على العطاء، يربط مساهمته في إعادة البناء بإطلاق المصالحة. وكان يمكن للغرب تشكيل قوة دافعة للمصالحة، لو أوجد لنفسه قوة رافعة في المجال السوري لموازنة دور روسيا العسكري الذي اطلقه بوتين، لكنه اختار هجر مجال الصراع السوري وتركه لروسيا بالكامل ومعها قوى إقليمية أخرى، وبالتالي فقد القدرة المادية على الدفع السياسي صوب المصالحة المنشودة. وها هو الانسحاب الأمريكي يؤكد مجددا هذا الغياب السياسي، ومعه يؤكد على استعصاء الازمة السورية. وتحاول واشنطون معالجة الأزمة بدفع فريق من الدول العربية للعب دور الممول لإعادة البناء، ولكن هذا الدور سيبقى محدودا نسبة لضخامة التمويل المطلوب، والتراث المرير لعلاقات هذا الفريق بالسلطة السورية خلال الحرب الأهلية. وإذا تركنا هذا الجانب الأساسي إلى رصد تأثير الانسحاب على أدوار القوى السياسية الفاعلة في الأزمة السورية هناك عدة ملاحظات.
فيما يتعلق بداعش: انتهت الحرب ضدها بسحقها، فأضحت تعيش على 1% من مساحتها القديمة وفقدت آلاف المقاتلين، وتلاشت الرهبة التي أحاطت بصورتها. لكنها لاتزال حاضرة، وفي أغسطس 2018 ذكرت المخابرات الأمريكية، أن لداعش حوالي14500 في سوريا و1700 في العراق، يحملون السلاح. لكنها تقديرات نسبية، ولا نعرف أعداد الذين قرروا الذوبان بين الأهالي وسيعودون للسلاح إذا تغيرت الرياح. وستجد داعش في سوريا بعد الانسحاب الأمريكي فراغا سياسيا يغريها بالنمو، ولكن نموها الفعلي لن يتحدد وفقا للفراغ بل وفقا لتفاعل عاملين. ضغط الأزمات الاجتماعية على القواعد الاجتماعية، الذي يدفعها للتعبير عن سخطها بتخليق المقاتلين، وتشكيل بيئة حامية للتطرف المتشدد. وفي المقابل رفض غالبية القوى السياسية والإقليمية الفاعلة في سوريا، لأي دور أوسع لداعش، والأهم قوة حضور السلطة السورية، وبالتالي غياب البيئة السياسية المواتية.
وفيما يتعلق بالدور الإيراني والمتعاونين معه. سيوفر الانسحاب الأمريكي مجالا لنمو الدور الإيراني، عبر الفراغ السياسي الناتج عنه وظهور الانسحاب وكأنه إقرار بالهزيمة الأمريكية في الساحة السورية. غير انه هناك عوامل مضادة من شأنها تقييد احتمالات نموه. منها وجود دول عربية دعمت القوى المناهضة للأسد خلال الحرب، يطلق الآن سياسة نقيضة للانفتاح على السلطة السورية ودعمها اقتصاديا، من اجل حصر مجالات نمو الدور الإيراني. ومنها أن إيران ذاتها في ظل العقوبات الأمريكية، لا تملك موارد كافية للدفع بهذا النمو بقوة. ومنها أن إسرائيل تراقب الساحة السورية بصرامة، ولن تسمح لهذا الدور بتجاوز خطوط معينة. ومنها أن الانتصار في معركة سوريا كلها غير قابل للتوظيف الأيديولوجي، من اجل الدفع بدور إقليمي أوسع. ومنها أن التحدي القادم للسلطة السورية هو إعادة البناء، وهو تحد مكلف اقتصاديا ليس في مقدور إيران المساهمة القوية فيه.
وفيما يتعلق بالأكراد السوريين: تنتشر توقعات متشائمة ترى أن الأكراد سيذهبون ضحية عملية اجتياح عسكري تركي تستهدف الشمال الشرقي. غير أن الأمر ينطوي علي مبالغة. فلن تحاول تركيا استغلال الانسحاب لاجتياح معاقل الأكراد بالكامل، بل فقط لتأسيس الحاجز الحدودي. والمؤكد أنها ترغب في تجريد كل الأكراد من السلاح، لكنها تعرف أنها مهمة حتمية ستنجزها الحكومة السورية، وبالتالي ليست في حاجة ملحة للتورط فيها. ويدرك الأكراد جيدا اتجاه الريح الآن، وليس من المتوقع أن يوفروا لتركيا السياق الذي يورطهم في معركة مع الجيش التركي. وهكذا شرعوا بالفعل في التوجه للأسد، آملين أن يؤهلهم دورهم في هزيمة داعش لنوع من الحكم الذاتي. ولكن هل يمكن أن يستغلوا فراغ القوة للتوسع بما لا يزعج تركيا؟. أمر وارد ولكنهم يعرفون أن هذا سيورطهم في مشاكل مع دمشق، مقابل مكاسب يصعب الاحتفاظ بها فلماذا يسعون إليها؟