السياقات الجديدة في الملف السوري بعد الانسحاب

طارق الحريري –

أبدى البعض مخاوفهم من أن جيوب وفلول ما يسمى بتنظيم داعش قد تصبح بعد الانسحاب الأمريكي قادرة على استعادة قوتها ثانية لأن الآلاف من مقاتلي التنظيم ما زالوا موجودين في بعض مناطق البادية وبعض قراها.

مرت الأزمة السورية منذ بدايتها بمنعطفات كثيرة آخرها قرار الحكومة الأمريكية بسحب قواتها الموجودة في الشمال والشمال الشرقي من سوريا، ورغم أن هذه القوات لم تكن بالضخامة المعتادة في أماكن كثيرة من العالم إلا أنها لعبت دورا مؤثرا في التوازن الاستراتيجي في إطار إقليمي يشمل عدة دول من الشرق الأوسط .
ومع أن الرئيس الأمريكي كان قد أعلن منذ عدة شهور نيته سحب قواته من سوريا إلا إن ما أعلنه «دونالد ترامب» بسحب هذه القوات فعليا في التاسع عشر من ديسمبر الماضي أثار كثيرا من التداعيات اختلفت ما بين القبول والترحيب لدى البعض والرفض والغضب لدى آخرين ولم تهدأ هذه التداعيات بعد مرور عدة أسابيع فالوجود الأمريكي حتى ولو كان رمزيا كان في واقع الأمر عاملا مساعدا في كيمياء ملف الأزمة – إن اختلافا أو اتفاقا – منذ حطت قواته على الأرض وبنفس درجة التفاعل مع بدء سحب هذه القوات.
منذ بدايتها ظلت الأزمة السورية رهينة للتدخلات الخارجية وكانت أسوأ مراحل هذه الأزمة عندما تحولت خريطة الدولة إلى رداء مهلهل تمسك بتلابيب كل قطعة فيه جماعة أوتنظيم من أبناء سوريا أو الأجانب من خارجها الذين جلبوا من عشرات الدول شرقا وغربا بأعداد هائلة تسببت في عشوائية موازين القوة على الأرض، لاسيما أن المعارك في أحيان كثيرة تجاوزت مسعى إسقاط النظام إلى خلافات بينية طالت أطرافا متعددة حتى بين تلك ذات التوجه الأيديولوجي الواحد وعندما بدأت القوى الخارجية ترفع يدها عن دعم العناصر التي تحارب بالوكالة عنها تأرجحت موازين القوى بشدة لصالح الجيش السوري الذي نال دعما قويا من قوات رديفة من إيران وحزب الله والتدخل الروسي المباشر في جانب كبير من مسرح العمليات، هنا يفرض التساؤل نفسه قبل التطرق لقرار الانسحاب الأمريكي وهو إذا كان هذا هو الوضع في سوريا فكيف كانت قوة أرسلتها واشنطن لا تزيد عن 2500 جندي قادرة على إحداث دور مؤثر في مجريات الصراع؟
الإجابة على هذا السؤال هي المدخل لتفسير الأثر المتوقع سياسيا وعسكريا لانسحاب القوات الأمريكية ويمكن إجمال الإجابة في الآتي:
– قامت القوات الأمريكية بتأمين قوات موالية بالأسلحة والذخائر كما قامت بتدريب عناصر موالية على أعمال القتال مكونة بذلك الفصيل الذي كان يمكن أن يجعل للولايات المتحدة باعا في أي اتفاقيات لوضع نهائي على طاولة المفاوضات ولتدارك تبعات فقدان هذا الكارت قام الرئيس الأمريكي في مرحلة لاحقة بتوجيه تحذير شديد اللهجة للأتراك إذا هم أضروا بالأكراد في محاولة للحفاظ على هذه الإمكانية.
– قدمت العناصر الاستخباراتية والفنية الموجودة على الأرض ضمن القوة الأمريكية معلومات مهمة عن كافة الأطراف المنخرطة في الصراع ميدانيا وهي معلومات ضرورية لمتخذ القرار في واشنطن ما كان يمكن الحصول عليها بدون الوجود في مسرح العمليات بصورة مباشرة.
– مثلت القوات رغم صغر عدد أفرادها عامل ردع طبقا لمقتضيات أجندة الولايات المتحدة في المنطقة ضد بعض قوات كل من تركيا وإيران والجيش السوري مما أدى إلى تحجيم نفوذهم في أماكن بعينها كانت واشنطن ترى أهمية ألا تصبح هذه الأماكن خاضعة لسيطرتهم مثل مناطق شرق الفرات ودير الزور ومنبج وأجزاء أخرى تحت سيطرة الأكراد.
لا يشكل الانسحاب الأمريكي في المرحلة الحالية من الأزمة السورية التي يكتنفها الآن غموض الوضع العسكري والسياسي تراجعا كاملا للدور الأمريكي فعسكريا ورغم السيطرة الميدانية للجيش السوري على المساحة الأكبر من أراضي الدولة السورية، إلا أن هناك مناطق مازال يلفها الغموض مثل إدلب التي تسيطر عليها هيئة تحرير الشام (النصرة سابقا) كما أن مناطق الأكراد ما تزال متأرجحة في خيارات حسم وضعها وسياسيا تواجه عملية المفاوضات تعثر بدرجة ما نظرا لأن الأطراف المشاركة والمتداخلة فيها لم تصل بعد إلى الصيغة القابلة لعبور خلافات المرحلة الحالية، لذلك رأى جانب من الإدارة الأمريكية أن الوقت الحالي أصبح مناسبا للانسحاب من سوريا لأن القوى الإقليمية الفاعلة مرتهنة بخلافات مرحلية ومنها بصفة أساسية تركيا وإيران وإسرائيل وتحتل روسيا بالنسبة لها – واقعيا – المركزية المؤثرة في مجريات الصراع المسلح في سوريا وقد أظهرت موسكو بالفعل قدرات متوازنة مع القوى المختلفة رغم تضارب المصالح والأهداف بينها مع الأخذ في الاعتبار أن الولايات المتحدة أصبحت أكثر اهتماما بالتحولات الاستراتيجية في جنوب شرق أسيا وتحديدا بحر الصين الذي تتزايد سيطرة الصين عليه وتوقعات التمدد الصيني نحو تايوان وهو ما يمكن أن يجعل من الصين ديناصورا اقتصاديا يسحب السجادة من تحت أقدام الولايات المتحدة.
من الواضح أنه أصبح لدى القيادة الأمريكية ممثلة في شخص الرئيس توجه على اتباع مسار لتخفيض الالتزامات التي يترتب عليها تكاليف باهظة في بعض المناطق المهمة استراتيجيا من العالم ومنها الشرق الأوسط، وكان هذا مثار اختلاف مع القادة العسكريين تجلى في استقالة وزير الدفاع الذي لم يكن موافقا على الانسحاب من سوريا لكنه عمليا فإن القواعد العسكرية الأمريكية المتعددة الموجودة في دول الخليج والعراق يمكن لها في حال نشوء أزمات التدخل في أي مكان من الإقليم على وجه السرعة ومنها سوريا بالطبع وهذا وضع لا يتحقق لأي دولة أخرى من القوى الكبرى.
وصفت صحيفة «نيويورك تايمز» قرار الانسحاب بأنه «منفصل عن أي سياق استراتيجي وأي سبب منطقي وأثار جدلا واسعا من قبل حلفاء للولايات المتحدة مثل فرنسا وبريطانيا وألمانيا» فيما اعتبرت «التايمز» في نظرة على الإقليم «أن هذا الانسحاب سيكون له وقع مختلف على الأطراف طبقا لمصالحها في الوجود الأمريكي في المنطقة وبحسب علاقتها مع الولايات المتحدة». والواقع أن تغيرا استراتيجيا سوف ينعكس على علاقات القوة لأطراف النزاع في سوريا ما بين مستفيدين وخاسرين في معسكر المستفيدين. سوف يصب انسحاب القوة الأمريكية في مصلحة الحكومة السورية والداعمين لها ويقوى من سيطرتهم على المناطق التي كانت خاضعة للسيطرة الأمريكية وحلفائها وفي قائمة المستفيدين تأتي تركيا التي يصعب تصنيفها بسهولة ضمن مجموعة الحلفاء أو الأعداء فهي حليف تاريخي للولايات المتحدة وعضو في حلف شمال الأطلسي وهذا جعلها خلال أعوم الأزمة تحت رحمة المساومات في مسألة الأكراد تحديدا والولايات المتحدة حليف مهم لهم في الشمال السوري منذ عام 2015 والانسحاب الآن سوف يترك كثيرا من عناصرهم تحت رحمة تركيا وربما لهذا السبب وافق الرئيس الأمريكي بعد تهديده العنيف لتركيا بخصوص الأكراد بإقامة منطقة عازلة بشروط رقابة دولية.
ومع أن روسيا هي الحليف الأقوى للحكومة السورية إلا إن مكاسبها من وراء الانسحاب الأمريكي تعتبر بدرجة ما أقل نظرا لأن وجودها في سوريا يهدف بصفة أساسية إلى حماية النظام السوري مقارنة بالوجود الإيراني الذي يمتد إلى ماهو أبعد من ذلك في منحى أكثر تشعبا يمتد إلى حلفاء آخرين في لبنان والعراق وفق إطار استراتيجي ذي طابع إقليمي.
أما في معسكر الخاسرين تأتى إسرائيل التي يساورها القلق من انسحاب أكبر حليف لها مما يقلص نفوذها الدبلوماسي في مواجهة روسيا الداعم الرئيسي لحكومة دمشق ولأن كل مكسب لإيران في الملعب السوري خصم من رصيد إسرائيل الإقليمي فإن تل أبيب تعتبر الوجود الإيراني في سوريا خطرا يمثل تهديدا رئيسيا لها، أما عن الأكراد فإن خروج الأمريكيين من الحلبة سوف يفقدهم حليفهم الأساسي لهذا لم يكن غريبا أن تعلن قوات سوريا الديمقراطية (قسد) إن سحب القوات من منطقتها ستترتب عليه تداعيات خطيرة على الاستقرار العالمي وأن ذلك سوف يؤدي إلى خلق فراغ سياسي وعسكري في المنطقة ويترك الأكراد بين مخالب القوى والجهات المعادية.
أبدى البعض مخاوفهم من أن جيوب وفلول ما يسمى بتنظيم داعش قد تصبح بعد الانسحاب الأمريكي قادرة على استعادة قوتها ثانية لأن الآلاف من مقاتلي التنظيم ما زالوا موجودين في بعض مناطق البادية وبعض قراها وهناك توجسات من أن التنظيم يسيطر على شبكة لتحركاته من خلال طرق وأنفاق تمتد لأطراف بعض المدن السورية لكن هذه المخاوف إن كانت تدعو للحرص إلا إن واقع الأمر يشيء بأن التنظيم يخوض آخر معاركه اليائسة قبل السقوط.