التأسيس المعرفي لسوق العمل

من فترة لأخرى تثار مسألة المواءمة بين مخرجات التعليم العالي وسوق العمل في السلطنة، وهو موضوع متجدد يتطلب المزيد من المناقشات للوصول إلى الحلول بعيدة المدى التي تساهم في تحقيق الأفق المستقبلي الأفضل لأجيال الغد وشرائح الجيل الشاب بوجه خاص.هنا يمكن الإشارة إلى المركز الوطني للتشغيل الذي يعول عليه أن يعيد بناء مشهد التوظيف في السلطنة بشكل يقرأ الاستراتيجيات والرؤى بما يتيح إدارة أفضل للموارد البشرية، ويهيئ للباحثين عن العمل الوظائف التي تمكنهم من الحياة الكريمة.
إن أي سياسة تستهدف المستقبل ويكون الإنسان محورًا فيها فإنه لا بد لها من قراءة كافة المعطيات المتوفرة على أرض الواقع والانطلاق منها للمسارات الأكثر سعة في بناء الآفاق، فالحلول المستدامة تأتي من خلال النقد والتقييم والمراجعات التي تمكن من رؤية المساحات الأرحب، التي توجد الثمار الطيبة. وفي مسائل التوظيف فقد جرى التأكيد أكثر من مرة على أهمية التشاركية في هذا الموضوع ما بين القطاع الحكومي والقطاع الخاص والمؤسسات التعليمية التي ترفد سوق العمل بالكوادر، بحيث تكون هناك خطط وبرامج توافقية بين الجميع تساعد في بلورة النتائج ذات الأثر الإيجابي الفاعل في المجتمع.وفي عالم اليوم مع الاتجاه نحو الثورة الصناعية الرابعة والاهتمام بالابتكار والإبداع والجودة التي تقوم على تعزيز مهارات التقانة وهذه الجوانب بشكل عام، يصبح من الضروري بل والأبجدي أن توضع هذه المسائل في الاعتبار كأولويات في النظرة المقبلة لمستقبل سوق العمل في السلطنة.
إن التخطيط بعيد المدى يقف عند التوقعات والبدائل الممكنة، إذ لا يكتفي بما يدور في فلك الراهن فحسب، ومن هنا فالفرصة قائمة في ظل الرؤية المستقبلية «عُمان 2040» التي يمكن من خلالها إتاحة السبل لتعزيز الخبرات والفرص في مجال سوق العمل.إن أهمية المركز الوطني للتشغيل في كونه سيعمل على ابتكار الحلول بعيدة الأفق التي تؤسس على معطيات الواقع والدراسة المستفيضة للتحكم في الفرص والإمكانيات بعيدًا عن الحلول المؤقتة التي تسد حاجة ظرفية، وهذا يتواكب بالطبع مع النظرة المطلوبة في الاستراتيجية والرؤية المستقبلية سالفة الذكر «2040».
من هنا سيكون ضروريًا النظر إلى هذه الشبكة المتداخلة ما بين التعليم والسوق والتحرك على المستوى العالمي في فكر العمل نفسه، بل ما هي المهارات التي ستكون ملحة خلال العشر سنوات المقبلة مثلًا، كل ذلك سوف يأتي عبر المدارسة والتفكير عبر المؤتمرات والندوات والحوار البنّاء الذي يُمكِّن من الوصول إلى القرارات السليمة لصناعة الغد.
كما أنه من الأولويات النظر أيضا إلى علاقة كل ذلك بالاستعداد المستمر عبر التأهيل والتدريب والقدرة على المواكبة مع كافة المتغيرات على مستوى العالم في سائر المعارف والعلوم، مع الأخذ في الاعتبار الحراك السريع في العصر الحديث، وهي مسائل سوف تأخذ بلورتها مع المضي في السياسات الموضوعة والتمسك بالأهداف والمرونة الكافية لأخذ ظرفيات كل مرحلة والتعامل معها وفق أسس معرفية وعلمية.