إسماعيل فهد إسماعيل.. حول كتابته المسرحية

أمنه الربيع –

ثلاث نقاط تربطني بهذه الكتابة وتشدني. الأولى الحياة الكاملة الإبداعية للأديب الكويتي إسماعيل فهد إسماعيل. وهل ينبغي أن أؤكد في هذا الموضع على عروبية الأديب، فأقول الكاتب الكويتي العربي الدم والنخاع، لألحق صفة العربية به، وهو الذي لم يتنكر يوما، لا لمحليته ولا خليجيته ولا عربيته! فما الداعي لجميع صفات الإلحاق اليوم؟ هل السبب يرتبط بالحال العربي الخليجي المعاصر؟ أم أن وراء الأكمة ما وراءها؟!
والثانية، أن شطرًا من الدراسة النصيّة في كتابي «الرؤية السياسية في المسرح الخليجي»، كنت قد تناولت فيها تجربة إسماعيل فهد إسماعيل المسرحية حينما تطرقت إلى المضامين السياسية في المسرح الخليجي وخصصت النقاش حول ملف الحادثة 67 (دار العودة 74-1978م) وتداعياته النفسية الحادة، وهي المسرحية التي كتبها إسماعيل إلى جوار ثلاثة مسرحيات أخرى هي: النص (1982)، وللحدث بقية.. ابن زيدون (2008م)، و(عهد الرمل) التي لم تُطبع حتى اليوم.
أما الثالثة، فتتمثل في قلة وجود دراسات مسرحية تناولت نصوص إسماعيل، سبب ذلك في المقام الأول قلة مسرحياته، في مقابل اشتغاله بالرواية. فله ما يربو على الأربعين رواية، كما يتضمن أيضا وفي سنة واحدة 1981، وجود دراستين مسرحيتين الأولى بعنوان (الكلمة- الفعل في مسرح سعد الله ونوس)، و(الفعل الدرامي ونقيضه.. دراسة في أوديب) وتعدّان من الدراسات الخليجية القليلة في زمنهم، تكشفان عن جزء من الاشتغال الفكري الذي سيلازم إنتاج إسماعيل السردي بوجه عام.
ولهذه النقاط الثلاث مجتمعة، جاءت هذه الكتابة المقتضبة، لتحتفي-إن شئتم- بذكرى ميلاد الراحل إسماعيل فهد إسماعيل (1 يناير 1940- 25 سبتمبر 2018م)
لا يلغي الريادة الإبداعية الروائية لإسماعيل، دوره التأسيسي في الكتابة المسرحية ذات المضامين السياسية خليجيا. فهو بروايته الأولى «كانت السماء زرقاء، رواية القرن العشرين» بشهادة الشاعر صلاح عبدالصبور (1970م) يشق حجر الأساس لنشأة فن الرواية في الكويت، ويفتح لنا كمسرحيين في (1974م) الباب على شرارة مغامرة التجريب الحادّ، التجريب الذي لا ينتمي لأيّ شكل أو صيغة محددة، إلاّ التجريب وحده، من دون التضحية بالمضمون أو إهمال درامية تشكيل النص المسرحي.
تُشكِّل مسرحيات إسماعيل تحديا من نوع خاص للباحث الناقد وللمبدع، لاسيما، ظهورها في بيئة خليجية اعتمدت الشعر وفن الصوت، وألوانا شعبية كالسامري، والخماري، والعرضة مرتكزا ومنطلقا، وغناء البحر واقعا في الحياة الاجتماعية والسياسية والفنية. والناظر إلى مسرحياته الوليدة في مجتمع محلي غارق آنذاك في الانتقال من البداوة والصحراء إلى المدنية والتحديث، يوقفه انشغال إسماعيل في ذلك التوقيت بالكتابة التجريبية وتناوله لقضايا عربية كبيرة كالقضية الفلسطينية والابتعاد عن تناول قضايا محلية صرفة! لا نقول هنا بإكراه المؤلف لاختيار قضايا بعينها، فالمؤلف حرٌّ في المطلق، وفي هذا السياق، لم يعتب أحد أو يتندر أو يتفلسف أو يُعيب على جليلة بكار كتابتها مونودراما (عايدة) وهو نصٌّ تطرق إلى قضية امرأة مهجّرة من فلسطين!
وهذا الاختيار، يجعل من مسرحياته مدخلا من مداخل التحوّل الحاسم في مسار الكتابة المسرحية في الخليج بوجه عام. وأن قصور الالتفات إليها -كما أسلفنا- هو الاعتداد بفن الرواية، وقدرتها الجمالية الخالصة للتعبير عن التاريخ والمجتمع المحلي، والاشتباك مع فن الرواية، يجعل مؤلفها أكثر انتماءً إلى الزمن.
ومن ناحية أخرى، فإنّ التجريب مع الكتابة على خشبة المسرح، قد يتطلّب ذهنية اجتماعية متجددة، وقادرة على التطور، دون إغفال لذائقة التلقي المجتمعي. وهاتان النقطتان لم تكونا في حينها سائدتين في مجتمعات الخليج، وهذا على الأرجح ما دفع الناشر إلى تجنيس كلمة «رواية» ووضعها على غلاف كتاب المسرحية (ملف الحادثة) وهو تصرّف صارخ ليس له ما يبرره إلاّ الذائقة المهيمنة على الذهنية السردية للمرحلة التاريخية الخليجية المتحولة.
وإذّا، كان التحدي، مظهرًا من مظاهر المغامرة، لدى الباحث الناقد، فهو أيضا كذلك لدى المؤلف المغامر. فلا يكتفي (الباحث والمبدع) بالوقوف عند تخوم التأسيس، بل عليهما تطوير أدواتهما مرحليا، أرى ذلك بوضوح في مسرحية (للحدث بقية..) فقد أضفى عليها إسماعيل قوة للفعل الإبداعي باتساق كبير بين الشكل والمضمون، وبين الفرد والمجموع، وبين العلاقة الجدلية الشائكة الأزلية بين المثقف ونظام السلطة والحكم. فعلى صعيد القضية المركزية التي لم تغب عن وعي إسماعيل، لا وجوديا ولا سياسيا، هي قضية الحرية الإنسانية والفكرية والعدالة الاجتماعية، تحرك إسماعيل خطوة كبيرة من فضاءات الفلسفة الوجودية وأطروحات برشت الملحمية إلى فضاء استقلال الهوية العربية بوجه عام. واستقلال الفرد عن المؤسسة، فنجح في اختيار نصوص شعرية لحيوات تلتصق بالجماهير وهي تخوض معركتها في عالم يصفه إسماعيل بعالم «لا يصمد أمام المتغيرات» بغية إنعاش ذاكرتنا، وذاكرة مسرحنا العربي لواقع غدا معقدا أمام مرايا هزائم البارحة المتكررة.
لقد شكلت (للحدث بقية..) خطابا يؤمن بالصيرورة والتجديد لمجتمعات نبذت الحوار الحرّ، لتتخندق في طائفية مقيتة خلف خطب المتثاقفين والدكتاتوريين، وعندئذ، تعجز الكتابة المسرحية عن رسم ذاكرة متجددة لمستقبلها.
قد يرى بعض القراء أنّ مسرحية (النص) هي محاولة تجريبية شابها بعض الالتباس والغموض، ويمكن تفسير ذلك إلى ما يشوب البدايات في كل أمر من أمور الفنون. إننا نلمح بقايا من المدرسة التعبيرية، المتداخلة بالرمزية. وقد تجاوزهما إسماعيل كخطوة حيوية في «ملف الحادثة 67، وللحدث بقية..» وعند هذه النقطة، يرهن إسماعيل اتجاه أي باحث ناقد أو كاتب مبدع، في طريق واحد لا هوادة فيه، هو السير نحو الأمام على طريق التجريب، دون النظر للخلف، وذلك الخلف هو بيانات المسرحيين العرب والمبدعين والباحثين إلى دعوة التأصيل، وأغلبنا على إطلاّع ببيانات تأصيل مسرحنا العربي، بالبحث في المقامات وفي الزوايا والخوانيق والحوانيت وجلسات السّمر عن المسرح شكلا لا نصّا. وهو ما يدعونا إلى إثارة هذا التساؤل: هل نبذّ إسماعيل تصورات التأصيل في المسرح؟
الناظر، إلى نتاج إسماعيل السردي المتنوع بين القصة القصيرة والرواية والمسرحية، يمكنه أن يستنتج اتضاح الشكل وهيمنته.
فالإبداع غايتنا، مبتدأنا ومنتهانا.