نوافذ : مأسسة الحياة العامة

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –

تشتكي جل المؤسسات من موظفي جيل اليوم، وهي شكوى تتنامى مع مرور الوقت، وقد استمعت شخصيا من مسؤولين في الشؤون الإدارية لعدد من المؤسسات من أن كثيرا من موظفي جيل الألفية الثالثة – بخلاف ما اعتادوه من الأجيال السابقة – أنهم لا يكترثون كثيرا بالأنظمة والقوانين الإدارية المحددة للعلاقة بين المؤسسة والموظف، حيث أن أكثرهم كثيرو الغياب، لا يحترمون من هو أسن منهم وظيفيا، يحرصون ويلحون كثيرا على المكافآت، لا يقدمون على أداء عمل إضافي دون مقابل، يتغيبون دون أعذار واقعية، ودون استئذان مسبق، وقد لا يتصلون أثناء فترة غيابهم، ولا يعيرون اهتماما بملاحظات مسؤوليهم، إلى درجة أن هذه السلوكيات الوظيفية أصبحت تشكل ظاهرة تحتاج إلى كثير إلى التوجيه، وإخضاع هذا النوع من الموظفين إلى دورات تدريبية مكثفة للحد من تناميها لضررها الكثير على الأداء المهني للوظيفة، وحتى لا تصبح المؤسسات مجرد فترات لقضاء وقت، دون أن يسند ذلك بعطاء صادق، وبنية بناء الوطن، الذي يراهن على أبنائه الأوفياء، خاصة بعد أن أصبحوا مؤهلين تأهيلا علميا عاليا.
هناك من يعلل ذلك بسبب التأثيرات الجانبية لـ «البطالة» المقنعة التي تعاني منها المؤسسات في القطاع العام، وهذا عائد أكثر إلى عدم قدرة مسؤولي المؤسسات في توظيف هذه الطاقات الشابة، المفعمة بالحماس والحيوية، وخلق أدوار وظيفية حديثة على مستوى الإدارات في كل مؤسسة، وهناك من يعلل ذلك إلى ظاهرة «مأسسة الحياة العامة» والتي تبدأ من مؤسسة الأسرة مرورا بمؤسسة المدرسة، وصولا إلى مؤسسة الحياة العامة – أشير هنا بمسمى المؤسسة لتسهيل المعنى لا أكثر – حيث أن في مناخات كل هذه المؤسسات الثلاث هناك إشباع؛ قد يكون غير متعمد، ويمارس بصورة تلقائية، ولكنه يؤسس أنماطا سلوكية خطيرة، وهذه الاشباعات تتمثل في المكافأة، والمقابل، والإشادة، والتثمين، حتى أصبح الفرد في المجتمع يحاكم المجتمع كله إذا هو أتى بفعل؛ ولو في سبيل التطوع؛ يرى أن من حقه على المجتمع أن يشيد بجهوده، وأن يكافئه على ما أقدم عليه من عمل.
هذه الصورة السلوكية بهذا الفهم أثرت كثيرا على حياة الأفراد، وخاصة الجيل الصغير، ومن فرط تأثيرها نجد اليوم حتى أبنائنا الصغار عندما يتحصلون على درجة ممتازة في مادة دراسية يلحون على الـ «هدية» مقابل هذا الإنجاز، ويرون في ذلك أحقية واجبة، ولا بد للولي الأمر (أب/‏‏‏ أم) أن يمتثلوا لهذا الإلحاح، وإلا؛ حسب الفهم الحديث للتربية؛ أصيب (الطالب/‏‏‏ الطالبة) بخيبة أمل، لذلك يكثر اليوم ترديد كلمة الـ «تحفيز» في كل المناسبات العامة والخاصة، وبالتالي فأي فعالية تقام بين أحضان المجتمع على من يقيمونها أن يضعوا في حساباتهم ضرورة مكافأة المشاركين من باب الـ «تحفيز».
كثيرة هي اليوم المشاريع العامة، وبعضها الوطنية، وخاصة في أيام الكوارث الطبيعية؛ على سبيل المثال؛ يتسابق على أداء الواجب؛ كما هو معلن؛ الكثيرون، ومع نهايات المهمة ينتظر الجميع المكافآت، ويحرص القائمون على تخصيص مكافآت وشهادات تقدير لكل المشاركين، مع أن العمل في صورته «تطوع» وذات الصورة تنطبق على كل الأنشطة التي تقوم بها مؤسسات المجتمع المدني، وتسود حالة من عدم الرضى في حالة عدم إعطاء الأعضاء مكافآت أو شهادات تقدير نظير ما يقومون به، مع أن عنوان هذه المؤسسات هو الـ «تطوع».
أتصور هذه إشكالية موضوعية في مسألة العلاقة بين القيام بعمل ما من قبل الفرد ومستوى إنجازه، وبين ما ينتظره من مكافآت وشهادات تقدير، سواء في المجال العام، أو المجال الخاص، فهذه التربية الـ «مكافئية» أفرزت اليوم أفرادا اتكاليين، لحوحين، أعينهم منصوبة على المكافأة وشهادة التقدير، وبدون ذلك فالنفس تذهب به إلى الكسل، والاتكالية، وعدم المبادرة، وهذه مسألة خطيرة؛ تشكلها يبدأ من مرحلة الطفولة، ويكبر هوسها مع اتساع مساحة الاشتغال العامة والخاصة على حد سواء، فتأتي بنتائج عكسية.