الفتاوى لسماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة

الذين يأخــذون بالرخص يريدون التلفيــق ما بين آراء أهل العلم ليخرجوا برأي لم يقله أحد من أهل العلــم قط –

■ ■ الرخصة موجــودة في الكثير من الأحكام الفقهية وهي تتناســق مع قول النبي صلى الله عليه وسلم «يسروا ولا تعسروا» وأنه صلى الله عليه وسلم ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما، ولكن العلماء لا يظهــرون هذه الرخصة بل ينفرون مــن تتبعها، ويزجــرون من يســأل عنها، ألا يتناقــض هذا مع الحديث الداعي إلى اليسر؟

ما هــي الرخصة في عرف الفقهــاء؟ إنما الرخصة هي القــول العاري من الدليل، والقول العاري من الدليل ولو قاله من قاله فإنه لا يعتد به، إذ لا يعدل طالب الحق عن الدليل إلى غيره، قد نجد من الفقهاء من يقول ورُخص، ولكن في مصطلحهم أن هذه الرخصة هي قول لم يقــم عليه دليل، ومن المعلوم أن الإنســان متعبد باتباع الدليل مع وجوده، فإن كان الدليــل قطعيا فتعبده به أمر قطعي وان كان ظنيا فتعبده به أيضا أمر ظني، وهو وإن كان لا يُقطع عذره إن خالف الدليل الظني إلا أنه إن كان ذلك تبعا لهواه فــلا ريب أنه لا يجوز له اتباع الهوى؛ إذ ليس للإنسان أن يعرض عن الدليل مع قيام الحجة به.
ولا ريــب أنه مــع وجود الدليل الشــرعي مــن كتاب الله أو من ســنة رســوله صلى الله عليه وسلم ســواء كان هذا الدليل نصيا أو كان ظاهرا؛ لا يجوز للإنسان أن يعدل عنه؛ لأن الله ـ تعالى ـ يقول: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) ويقول: (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) ويقول سبحانه: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا).
فليس للإنســان مع وجود الحجة في كتاب الله أو في ســنة رسوله صلى الله عليه وسلم سواء كانت هذه الحجة نصية أو كانت ظاهرة أن يقوم باعتصار ذهنه من أجل أن يصل إلى قول يخالف الدليل الشرعي أو يسلس قياده لمن أتى بقول من عنده بغير دليل.
كما أن الأدلة أيضا تتعارض، وقد يكون الدليل الذي استدل به العالم هو الدليل الأقوى، وليس للعالم أن يعدل عن الدليل الأقوى إلى الدليل الأضعف؛ لأنه مطالب أن يقــارن بين الأدلة، وينظر المرجحات ما بينها، فقد يكون هنالك دليل ولكن هنالك ما يدل على أنه منســوخ، أي نسخه دليل آخر، فلا تكون الحجة في المنســوخ وإنما في الناســخ، كذلك إن كان دليل الرخصة عموما ودليل العالــم الذي لا يترخص خصوصا، فإن الخصوص يقدم على العموم، كذلك إن استدل أحد بالإطلاق مع وجود ما يقيد فإنه لا يعدل إلى المطلق مــع وجود المقيد؛ إذ المطلق يجب أن يحمل علــى المقيد، كما أن العــام يحمل على الخــاص، وهكذا، فهذه الأشــياء لا بد من النظر فيها، وقد يكون الدليــلان متكافئين من حيث قوتهما، ولكن مع ذلك فإن أحد الدليلين يتفق مع مقاصد الشرع فيترجح بذلك، والآخر قــد يكون لا يتفق مع مقصد الشــارع، فلا بد من مراعاة ذلك، فلذلك من الواجب على الإنســان أن يتفطن لهــذه الدقائق، وهي طبعا لا يدركها العوام.
على أن الذين يأخــذون بالرخص هم يريدون التلفيــق ما بين آراء أهل العلم؛ ليخرجوا برأي لم يقله أحد من أهل العلــم قط؛ بحيث يأخذون من هذا العالم الترخيص في مسألة كذا، ويأخذون من قول الثاني الترخيص في مســألة ثانية، ويأخذون من العالم الثالث الترخيص في مسألة ثالثة، وإذا بما يأتونه خليــط من الآراء لم يقله أحد من أهل العلــم قط، وفي هذا ما يؤدي إلى فســاد الدين، وإلى الميوعــة، وهذه أمور لا يرضاها الإســلام قط، والله تعالى أعلم.