«رحم الله امرءا قال خيرا فغنم أو سكت فسلم»

ميزان الكلام –

يحيى بن سالم الهاشلي – إمام وخطيب جامع السلطان قابوس بروي –

امتاز الحديث النبوي ببلاغة التركيب ورصانة المعاني التي تفيض حكمة وعلما، وقد أخبر النبي الكريم- صلى الله عليه وسلم- أن من خصائصه أنه قد أوتي جوامع الكلم، وقد عالجت السنة النبوية موضوعات متعددة من حياة المسلم موجهة ومرشدة إياه للصلاح والرشاد، ومما ورد من جوامع الكلم النبوي حديث: (رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا تَكَلَّمَ فَغَنِمَ، أَوْ سَكَتَ فَسَلِمَ)، وقد ورد في بعض رواياته أن النبي صلى الله عليه وسلم أمسك لسانه طويلا، ثم قال نص الحديث، وهذا الحديث يعالج مسألة مهمة في حياة كل فرد، وهي متى يتكلم؟ ومتى يصمت؟
إن الكلام والنطق مما تميز به الإنسان وقد عدها الله من نعمه عليه مع خلقه فقال: (خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ)، وقد أبدع الإنسان في تسخيره لملكة البيان فنوع في أساليبه وتراكيبه التي يعبر بها عن مكنونات نفسه ومشاعره وفي التواصل مع بني جنسه نقلا للمعارف والأنباء، فأوجد الآداب شعرا ونثرا ووضع الكلمات التي تدلل على حاله مدحا وذما وحزنا وفخرا وغيرها من الأغراض، ولأجل ذلك كان لا بد من وجود ضابط يضبط ما ينطق به اللسان، إذ من الكلم ما يكون به الرخاء والعمران، ومنه ما يجلب الشقاء والخسران، ويأتي هذا الحديث الشريف ليضع ميزانا ذاتيا يقيس به المتكلم ما سينطق به لسانه، وهل ستكون ثمرته غنيمة خير ينالها أم أن فيها وبالا وشرا فتكون السلامة في سكوته؟