إصدارات عمانية :«هكذا كانوا» .. يسرد قصصا واقعية ومعبرة

عرض

  • مبارك بن عبدالله العامري
    في هذا الإصدار نماذج مشرقة من علمائنا واستغلالهم للوقت الاستغلال الأمثل. هذا الإصدار للمؤلف غسان بن محمد بن حارب الحبسي وصدر عن مكتبة الأنفال ويقع في (376) صفحة. ومن الذين سهروا الأيام والليالي في طلب العلم الشيخ الفقيه محمد بن إبراهيم الكندي – رحمه الله – صاحب الموسوعة العلمية الشهيرة «بيان الشرع» وله في طلب العلم مواقف لطيفة، كبر سن الشيخ محمد بن إبراهيم الكندي ووهن عظمه، واشتعل رأسه شيبا، وناف سنه على السبعين، إلا أن همته في تحصيل العلم لم تفتر، وعزيمته لم تهن ولم تضعف ففي إحدى ليالي الشتاء الطويلة أشكلت عليه مسألة فقهية لم يجد لها جوابا، فماذا يصنع الشيخ؟ لم يكن شيخنا آنذاك في عنفوان شبابه فيتحمل وطأة السهر وقر الشتاء (القارس) فماذا يصنع الشيخ وقد بلغ من الكبر عتيا؟ ولكن مع كبر سنه عالي الهمة، ماضي العزيمة، قوي الإرادة.. أوقد نارا ليصطلي بها، وليستدفئ بحرها من برد الشتاء، ثم بدأ يقلب صفحات الكتب وأوراق المصنفات طوال الليل، فطلع عليه الفجر من غير أن يستبين له جواب الإشكالية بالكلية. وبعد طلوع الفجر صلى الفجر، وأتى بما اعتاده من التلاوة والأوراد، ثم كر على مسألته مرة أخرى، وواصل المطالعة من كتاب لآخر لعله يجد جوابا شافيا للإشكال الحاصل في المسألة ولم يهدأ له بال، ولم يقر له قرار، ولم يغمض له جفن إلى أن وجد ضالته فاستمر شيخنا – رحمه الله – يوما وليلة لم يذق فيها حلاوة النوم.
    وتطرق المؤلف عبر هذا الإصدار إلى استغلال الوقت عند الإمام محمد بن عبدالله الخليلي – رحمه الله – وقد حدثت هذه الأعجوبة إبان إقامته بالقابل عندما كان ينهل من فنون العلم المتنوعة من العلامة الموسوعي الإمام نور الدين السالمي – رحمه الله تعالى – فقد كان من عادة القائم على شؤون المسجد في القابل بعد فراغه من صلاة العشاء أن يبقى في مسجده ذاك إلى أن يخرج جميع المصلين، وذلك لأجل أن يقوم بإطفاء السراج وإغلاق الباب، ومن عادته أيضا أن يبكّر في الحضور لصلاة الفجر فيكون أول الداخلين إلى المسجد، وذلك ليقوم بفتح باب المسجد وليؤذن لصلاة الفجر. وفي ليلة من ليالي العلم والمدارسة قام الإمام الخليلي فور فراغه من صلاة العشاء مباشرة فقعد على السراج يقرأ شيئا من كتب العلماء، وطفق الناس يخرجون من المسجد الواحد تلو الآخر، وما بقي في المسجد إلا بطل قصتنا وكذا القائم على شؤون المسجد والذي قعد ينتظر خروج الإمام الخليلي من المسجد ليقوم بمهمته اليومية، فلما توانى الإمام في الخروج من المسجد قام ذلك الرجل على رأسه فبادره الإمام متسائلا: ماذا تريد؟ أريد أن أطفئ السراج.
    وأنا أريد أقرأ وأطالع هنيهة من الوقت، وسأكفيك إطفاءه إن شاء الله، فخرج ذلك الرجل من المسجد مبكرا كعادته ليقوم بفتح الباب كذلك، ذهب الرجل إلى بيته لينام ليلته تلك، والإمام الخليلي – رحمه الله – في المسجد يقرأ ويطالع، والبرد شديد، والليل طويل، وقبيل طلوع الفجر بقليل نهض المؤذن القائم على شؤون المسجد من نومه، وذهب إلى المسجد ليؤذن وليفتح المسجد، فرأى الإمام الخليلي لا يزال يقلب صفحات كتابه قارئا ومطالعا، فعلاه العجب، واستولت عليه الدهشة، وربما ثارت في نفسه تساؤلات شتى أيمكن أن يكون الإمام الخليلي قضى الليل الطويل كله في مدارسة ومطالعة الكتب؟ أيمكن أن ترتقي الهمة برجل فيقضي ليلة طويلة من ليالي الشتاء الباردة في القراءة وطلب العلم دون أن تكتحل عيناه بلذيذ المنام؟ وهذا ما وقع فعلا، فقد توجه إلى الإمام ووقف على رأسه، فلما رآه الإمام متعجبا وقد علته الدهشة، رفع بصره إلى المؤذن قائلا: قلت لك أنا أكفيك إطفاء السراج، فاذهب أنت فقال المؤذن: لكن يا سيدي ذهبت فنمت في بيتي، والآن جئت لصلاة الصبح فقال الإمام: سبحان الله! ما شعرت بمرور الوقت وذهاب الليل ثم ترك الكتب وقام للصلاة.
    وتحدث المؤلف عبر هذا الإصدار عن حقوق الناس وكيف تعامل الشيخ درويش بن جمعة المحروقي عندما رأى حبة القمح في خاتمه وهي ليست له: كان الشيخ درويش المحروقي – رحمه الله – عفيفا عن أموال الناس لا يدنس صفحته بحقوقهم وأموالهم ولو كان شيئا يسيرا، بل ولو كان شيئا زهيدًا لا يلتفت الناس إليه لحقارته ودناءته، قصد الشيخ يوما أحد التجار ليشتري منه قمحا يقتات عليه فأكتال الشيخ بيده ما يريد من القمح، ثم رجع إلى بيته ودفع القمح إلى أهله.
    وفي أثناء ذلك أحس بشيء بين خاتمه وأصبعه، فأدار الخاتم وحركه فإذا بحبة قمح واحدة قد اندست في ذلك المكان الخفي القصي البعيد عن الأنظار.
    بقي الشيخ هنيهة يحاسب نفسه: أهذه الحبة مما اكتاله واشتراه فتكون حقا مشروعا له، أم هي لم تدخل أساسا في الشراء وإنما تسللت خفية لتندس في ذلك المكان فتكون من حق التاجر؟ ثم أن الشيخ رجح الرأي الثاني، فعاد أدراجه إلى التاجر مرة أخرى، ودفع إليه حبة القمح.. هكذا كان الشيخ يحاسب نفسه على حبة قمح واحدة فما بالك بما زاد؟ لا يرتضي لنفسه بالقليل من أموال الناس وحقوقهم فما بالك بالكثير؟ فهلا تشبهنا بهؤلاء الأخيار وسرنا على نهجهم القويم قال تعالى: (أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ۗ قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ۖ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْعَالَمِينَ).