المسرح الاجتماعي … ينعي موت الرقابة

د.عزة القصابية –

يقوم المسرح الاجتماعي بدور ريادي في التعبير عن رؤى وتطلعات الشعوب نحو العدالة. عرض مسرحية (تنصيص) السعودي جعلنا نتوقف عند عتبات لوحاته الثماني التي تعكس حال المجتمعات العربية التي تأن من الفسادين المالي والبيروقراطي، وهما اللذان تسبب في إحداث شق أو صدع بدأت تزداد فجوته اتساعا بصورة طردية مع الزمن!
طرح عرض مسرحية (تنصيص) للكاتب السعودي فهد قضية مهمة عبر لوحاته الملحمية السياسية التي كانت تتشكل وفقا للحالة الراهنة حسب توجيهات المخرج سامي الزهراني بمعية فريق العمل الفني.
دونما شك فإن الواقع السياسي لا ينفصل عن إطار الحياتين العملية والاجتماعية، ونجد في الكثير من الحالات أن المواطن العربي يرضخ للنظامين السياسي والاجتماعي اللذين يجبرانه على التعامل مع شخصيات ورموز تحركها مصالحها الشخصية قبل المصلحة الوطنية.
تحد كبير أمام منفذي نص «تنصيص « لفهد ردة الذي كان يمسرح شخوصه، ويحركها بروح بيراندلو الباحثة عن ذاتها وسط كومة من التعقيدات التي يفرضها الواقع، وجعلها تتحدث بلغة ملحمية تتقارب مع واقع الشعوب التي عايشت الحرب النازية، وويلاتها، فانتفضت شخصياتها باحثة عن عالم جديد، يرنو إلى التخلص من أشكال الفساد، ويندد بأنصاره ويدعو إلى الإصلاح والتغيير. وهذا يؤكد أن حلقة التواصل بين الفن والمجتمع تقوم على التوافق بين الفنان والجمهور، فالنظرة البنائية الوظيفية للعلاقة بين الفرد والمجتمع تجعله يعيد النظر حول طبيعة الإنتاج الفني كرمز سيميولوجي.
وهناك واقعان برزا في هذا العمل: واقع الرمز أو العلامة نفسها في ذاتها، والواقع المشار إليه بهذا الرمز، الذي يساهم في إبراز استقلال الرمز وقدرته على التفاهم بين المرسل والمرسل إليه، الذي يتعلق بالسياق الاجتماعي ومقتضياته السياسية والاقتصادية والفلسفية لبنية اجتماعية محددة.
وفي عرض مسرحية «تنصيص» تحكم المخرج سامي الزهراني في أنماط الحدث الدرامي الذي كان يتشكل في التو واللحظة، وكان الزهراني مصرا على كسر الوهم لدى أبطاله بحيث لا ينغمسون في غمار الدور. وكانت شخصياته سريعة الحركة والتنقل من لوحة لأخرى، حريصة على إشراك المتلقي بين مؤيد ومعارض، حول مصير الشق الذي يزداد اتساعا مع الزمن بسبب موجات الفساد المتكررة.
وفي اللوحة الأولى كان التأهب للانطلاق، فالمخرج صنع بتوجيهاته حالة تفاعلية بين مناطق الفعل ما يسمى المسرح داخل المسرح (الميتاتياترو)، وتمكن من تقديم فرجة مسرحية تفاعل الجميع معها.
وفي اللوحة الثانية عادت الشخصيات إلى سابق عهدها؛ لتتلقى تعليمات وملاحظات حول أداء الشخصيات تاريخها وأبعادها، واستطاع المخرج أن يدمج الزمنين: الحاضر حيث فريق العمل المسرحي، والزمن الافتراضي عندما يناقشون تفشي الفساد في المجتمع، وتفاعلت جماليات الخشبة مع الحدث، فكانت البقعة الضوئية تسلط على لحظات التأزم وبؤر الفساد والشق الذي يكبر وفقا لتطور الأحداث، كما كانت المناظر الأزياء تتغير حسب الحدث.
وسلطت الأضواء على مسؤول المشروع الذي رست عليه المناقصة، وانتهى المطاف إلى الإفصاح عن رموز الفساد قاطبة، وتعريتها عبر حوار لا يقبل التأويل:
«لوزير: هذا لعب فاضي.( بحدة ) مين المقاول اللي رسا عليه مشروع المطار؟»
ويرد مدير المشاريع موضحا أنه قد تكون زوجة المقاول أو قد يكون ابنه، أو قد يكون ابن عمه. يسترسل الحوار أعلاه في صدم المشاهد بحقيقة الفساد وعناصره الذي بات يلتهم جسد الأمة العربية، شرقا وغربا، إذ ضاعت الأمانة وتغلبت المصلحة الشخصية على المصلحة العامة، وتفاقمت الحالة؛ حتى أصبح التخلص منها أمرا صعب المنال!
وفي اللوحة الثالثة …. تداخلت الشخصيات، وتكاملت، بشكل رمزي. فظهرت وهي تبحث عن ذاتها وفق توجيهات المخرج الذي كان يحركها في فلك لجي يبرز من خلاله معاناة الآخر. بصورة تجعله أقرب إلى سيزيف الذي يدفع بالصخرة إلى الأمام، ومحاولة إيجاد حل للغز الشق وقطعة القماش الذي بدا غامضا ومحيرا، لذلك جميع المحاولات تفشل في كل مرة، ويتغير حجم الشق في كل مرة.
تستمر قضية (الشق)‏‏ في اللوحة الخامسة، فنشاهد الموظف يحاول ردم الشق وإصلاحه لكن دون جدوى. ورغم وعورة الحديث عن الفساد وقضاياها الذي أصبح حديث الساعة عالميا، وتشكلت منظمات بهدف رصد مؤشرات ودرجات الفساد في الكثير من الدول، فهو داء خطير يجب القضاء عليه.
في اللوحة السادسة استغل (الحلم) لتكملة الحدث الدرامي على اعتبار أنها منطقة لا تخضع للمنطق أو الواقع. فنشاهد الشخصيات تحلم أن حجم الشق يتضخم بصورة مخيفة. وفي اللوحة السابعة ضاقت حلقة التمسرح للتسع لكافة الشخصيات التي زج بها المؤلف في دوامة الحدث، فنجدها تتمسرح، تتقمص، تنتقل من دائرة الوهم والافتراض المسرحي، تسعى إلى فضح المفسدين.
وحقيقة أن أوضاع وحال البلاد العربية شرقا وغربا تتقارب عند الحديث عن المعضلات الناجمة عن البيروقراطية وغياب الرقابة وتفشي الرشاوى. تتوحد جهود المسؤولين الفسادين في تنفيذ المشاريع الوهمية التي تسند لمعارف المسؤول وأفراد أسرته، بهدف مضاعفة الربح واختلاس ونهب المال العام. وفي الوقت نفسه، يصعب محاصرة ومعاقبة هذه الفئة التي تستغل ثغرات القانون لتنفذ سرقاتها بطرق مشروعة، وبالتالي فإن البحث عن ستارة لدرء الشق الناجم عن التجاوزات، أمرا مفروغا منه!
وبدلا من إقصاء ومعاقبة المذنبين فإنه تتشكل لجان أخرى، بنفس آلية الفساد السابقة، ويهيأ لها المناخ والبيئة لتمارس أجندة معينة مدعومة بأقطابها الذين سيدفعون بعجلة الزمن، لامتصاص الحكومة ونهب المال العام متدثرين برداء البيروقراطية العمياء.
وسوف تبحث هذه اللجان عن ستارة أخرى تتناسب مع حجم الشق المتوقع «ولا بأس أن تقوم بعمل بجولةٍ في الدولِ المجاورةِ والصديقةِ والمتقدمةِ؛ لمعرفة أنواعِ الستائرِ، وأحجامِهَا، وطرقِ عملِهَا، والاستفادةِ القصوى منها».
وفي اللوحة الأخيرة في مسرحية «تنصيص» يعود فريق العمل إلى سابق عهدهم، يتحركون بنفس الآلية التي تمزج بين الواقع والرمز، مؤكدين أن مناقصات المشاريع والصفقات التجارية ستغطى بستارة الوهم والمبررات المفتعلة. وفي المقابل تفشل الحكومة التي تخلو من الرقيب في درء الصدع الذي أصبح المجتمع يعاني منه.
كلمة أخيرة … يحمل المسرح الاجتماعي «معول الكلمة» لهدم صروح الفساد، والوقوف ضد طغيان المارقين من البشر الذين يتوارثهم الزمن بمضض. وفي هذه المسرحية سلط الضوء على أهم المعضلات التي تعاني منها الشعوب العربية والإنسانية، مما تسبب في إحداث شق وفجوة يصعب الوقوف في وجه من يرتكبها، ويصعب الشرح للأجيال القادمة معنى الأمانة والضمير وحب الوطن والمصلحة العامة.