رماد: ثمن النظرة

عبدالله المعمري –

لربما يكون للنظرة ثمن في عالم الحب، أو أن تفسِر بعضا من تفاصيل موقف يعيشه طرفان بما يسمى بلغة العيون، ولكن أن تدفع ثمن نظرة أحدهم لآخر، دون أن يكون لك ناقة فيها ولا جمل، فذلك والله لأمر عجيب لا يصدقه عقل، ولا يفسره منطق.
صديقان مقربان من بعضهما البعض، شكّ أحدها في الآخر وارتاب منه في فعل ما، صمت ذلك الآخر، ولكأنّه كان قد فعل جريمة، سيدفع ثمنها طرف ثالث لا ناقة له بتلك النظرة ولا جمل، بل ولا حتى كان حاضرا في المكان أو الزمان ذاته التي وقعت فيه نظرة الأول للثاني، ولكن كان له النصيب الوافر من دفع الثمن، ودون أن يعلم بما حدث في أصل النظرة ومسبباتها ودوافعها بينهما.
نظر الأول إلى صديقه نظرة التعجب والدهشة لمّا قرأ اسم المرسل لرسالة ظهرت على جوال الثاني، كان المرسل فيها هو الطرف الثالث، والذي دفع ثمن تلك النظرة فيما بعد، كان الثمن سلسلة متتالية من الأسلوب الجاف في الحديث، والاستفزاز في الرد، والتوتر الذي يشبه إلى حد كبير وقوع الطرف الثالث في جريمة أساءت للثاني جراء رؤية الأول اسمه في شاشة هاتف الثاني، فبادره بنظرة مدفوعة الثمن لاحقا.
مرت الأيام، ولا يزال الطرف الثالث يدفع ثمن تلك النظرة، دون أن يعلم ما الذي جرى، وأي جريمة ارتكبها، حتى جاء اليوم المشهود، وبفطنة منه لكشف ذلك الاستفزاز والرد الجاف الذي يصله من الطرف الثاني، لعلمه أن ما حدث هو سوء فهم بين الطرفين، دفع الثالث ثمنه دون وجه حق.
ناقش وبرر الثالث أن الرسالة لم تكن تحمل أمرا غير المعتاد، وأن الطرف الأول على دراية بكافة تفاصيل مثل هذا النوع من الرسائل منذ زمن، أن نظرته تلك لا محل لها من الواقع في شيء، وأن خطأ الثاني أنه لم يناقش الأول على نظرته، ولم يستفسر منه عن تلك النظرة ودوافعها، وظل كلُّ منها في عزلة عن مناقشة الآخر، ليحل الطرف الثالث والذي هو دافع الثمن المسكين على تلك النظرة اللغز بينهما بسرد جميل، وكان الجزاء أجمل من جنس العمل.