وتر: مـاه لهيـّه

شريفة بنت علي التوبية –

إلى ماه لهيّه..كما ينادونها، وأنا المغمورة بتدفق حنانها وعاطفتها وهي تحدثني عن أبناء عائلتها الذين ربّتهم وأحبّتهم واعتنت بهم أكثر من أمهاتهم الحقيقيات، إلى ماه لهيّه المتجسّدة أمامي كملاك إنساني طاهر، تضم الصبي الصغير إلى حضنها وهي تغالب دمعة سقطت من عينيها وتحاول إخفاء نبرة حزن ممتزجة بحنان عظيم في صوتها قائلة لي: ( أنا ما أجيب أولاد بس كلهم أولادي ).!
التقيت بماه لهيّه في لقاء عابر أثناء زيارتي لأحد الأصدقاء، لأرى المعنى الحقيقي للأمومة المتمثلة في فيض حنانها، ولأتأكد تماماً أن كل امرأة هي أم، أنجبت أم لم تنجب، وكل أنثى هي أم وأن لم تعش تلك اللحظة الفارقة في حياتها وهي تقوم بفحص اختبار الحمل فتأتي النتيجة إيجابية بخطين أحمرين على جهاز الفحص، هي أم وأن لم تبارك لها الطبيبة ولم تقل لزوجها المنتظر ( مبروك المدام حامل)، هي أم وأن لم يحمل رحمها جنيناً ولم تعاني لوعة الغثيان الصباحي في الأشهر الأولى من الحمل ولم تعاني أرق الليالي في الأشهر الأخيرة منه، هي أم وأن لم تحمل بين يديها طفلاً رضيعاً تهدهده وتضمه إلى صدرها كلما بكى كي يهدأ، هي أم وأن لم تجرب ألم الطلق ومعاناة تلك اللحظة المنسّية كما يقولون عنها، هي أم وأن لم ترَ الموت رؤيا العين حين يصل الألم إلى ذروته معلناً ميلاد جديد على هذه الحياة، هي أم وأن لم تعش ذلك الشعور العذب وهي تسمع الصرخة الأولى لطفلها القادم إلى الحياة، هي أم وأن لم تذق لذة العناق الأول بينها وبين طفلها العاري سوى من لمسة يدها الآمنة ودفء قلبها، هي أم وأن بقى بيتها نظيفاً بلا طفل يبعثر ألعابه على ساحته أو يملأ جدرانه شخابيطاً وألواناً، ولم يلوث سجادتها الجديدة بكوب من العصير، هي أم وأن لم يكن هناك من يعبث بلحظات هدوءها وسكينتها ويسرق النوم من عينيها إذا تعب أو مرض، هي أم وأن غابت كل تلك الصور السابقة، فالأمومة لا تقتصر على من حملت وأنجبت فقط، لأن الأمومة فطرة لدى كل أنثى والإنجاب أو عدمه ليس مقياساً لأن تكون المرأة أماً.
الأمومة هي ماه لهيّه التي أثرّت بروحي وملأتني يقيناً بعظيم ما نحن خلقنا لأجله كأمهات، وفي كل امرأة أرى حنانها وأمومتها وفيض عطائها، لتبقى الأمومة وجهها الذي ما غاب عني منذ رأيتها، ولتبقى الأمومة فطرة المرأة وسر جمالها.