سياسة عمان الإقليمية: القيم والسياسات والدوافع

د.صلاح أبو نار –

ومن ضمن السياسات التنفيذية: التفاوض، والوساطة، ورفض التدخل العسكري وسياسات الحصار. سنجد أبرز نجاحات سياسة التفاوض والوساطة في الدور العماني في الاتفاقية النووية الإيرانية.

يكاد موضوع الرؤية العمانية للسلام والاستقرار الدولي في المنطقة، أن يكون هو نفسه سؤال السياسة العمانية الخارجية الإقليمية، من حيث قيمها الحاكمة وسياساتها المنفذة والعوامل التي شكلت تمايزها. لم تسع تلك السياسة منذ انطلاقتها في أواخر السبعينيات، إلى تحقيق نفوذ أومطامع إقليمية، أو افتعال أدوار خارجية، أو الانضواء في تحالفات إقليمية أودولية يحركها الآخرون. بل دفعها علي الدوام هدفين: أن توفر لشعبها سياقا خارجيا مواتيا وداعما لمواصلة التنمية والتحديث، وأن تعمل على نصرة القضايا العربية العادلة واستقرار السلام والأمن في المنطقة.
في دراسات سياسة عمان الخارجية والتي تركز على بعدها الإقليمي، سنجد دائما عند محاولة تعريفها تركيزا على السياسات، على حساب رصدها للقيم الحاكمة والعوامل المشكلة. وهنا سنجدها تطرح غالبا توصيفات متقاربة. يعرفها جيفري لوفيفر: «سياسة إقليمية فريدة من نوعها تتسم بالاستقلال والبراجماتية والاعتدال»، وجي. بيترسون: «الاعتدال والموازنة بين الرؤى المتعارضة ورفض القطيعة مع أي طرف»، ومارك أوريللي: «البراجماتية العمانية يجب وصفها بكونها واقعية سياسية واعية وحساسة»، وجورج جاوس: «في عمان نجد انقى سياسة واقعية يمكننا العثور عليها».
ولكن قبل هذا التحليل الثلاثي من الضروري الإشارة لمادته الواقعية. سنعتمد على تحليل المواقف تجاه أبرز أزمات الشرق الأوسط، من أول الموقف من القضية الفلسطينية في لحظات تصاعد الخلافات العربية حول إدارتها، مرورا بالحرب العراقية – الإيرانية، ثم الغزو العراقي للكويت، ومعضلة الموقف العربي من السياسات الإيرانية. وانتهاء بقضايا ما بعد 2011 أي الأزمات السورية والليبية واليمنية والقطرية.
من حيث المحددات القيمية لمسيرة السياسة الخارجية العمانية، يمكننا الإشارة إلى أربعة محددات مترابطة. أولها بالضرورة المصلحة الوطنية. وللفهم العماني للمصلحة الوطنية خصوصيته. فهو يعني السعي لتأمين بيئة إقليمية داعمة لمشاريعها التنموية، عبر توسيع الأصدقاء وتقليل مصادر التوتر بما تحمله من استهلاك للطاقات والموارد الوطنية. وحماية استقلالية الإرادة الوطنية، عبر تحاشي الاندماج في تحالفات عقائدية دائمة أو سياسية مرتبطة بأزمات معينة، أو الاندماج في نسق من العلاقات الإقليمية ينطوي على خلل فادح في توازن القوى ينتقص من الإرادة الوطنية. وتحاشي الاندماج في أدوار إقليمية مصطنعة تستهلك الطاقة والموارد الوطنية، والترحيب بالأدوار المساهمة في استقرار وسلام المنطقة.
وثاني المحددات القيمية انتماء عمان العروبي. عمان بلد عربي الهوية، تلتزم بالقضايا العربية طالما كان الطرف العربي صاحب حقيقة القانون والعدالة الدوليين. وهكذا ستدعم كليا القضية الفلسطينية التزاما بعروبتها، ولكن وعيها لعروبتها لن يدفعها لتأييد العراق باسم العروبية في حربه مع إيران، وأيضا لن تؤيد إيران رغم تميز العلاقات الإيرانية – العمانية بمنطق المصلحة القومية الضيقة، ولن تمارس حيادا سلبيا؛ لأنها ستسعى للوساطة بين الطرفين. كذلك لن تؤيد العراق في غزوه للكويت، كما فعلت دول عربية أخرى باسم عروبة خاصة مؤطرة براديكالية سياسية مزعومة.
وثالث المحددات القيمية هي مفاهيم السلام والاستقرار والتنمية. السلام ضروري للاستقرار الوطني والإقليمي، ولا تنمية وطنية أو إقليمية بدون استقرار، وبما أن الموارد محدودة ومؤقتة تزداد أهمية السلام. والحروب تعني زيادة الإنفاق العسكري، والنشوة في أولويات الإنفاق الوطني، واستهلاك الموارد النادرة، ولا تحل المشاكل؛ لأنها تنتهي بفرض إرادة المنتصرين، واستمرار جذور الصراع. والحل الحقيقي يأتي سلما، وعبر التفاوض وتوافق الإرادات، وتوزيع متوازن للمغانم والخسائر.
ورابع تلك المحددات القانون الدولي والشرعية الدولية. ولهذا المحدد أكثر من وجه. وجه قيمي ويعني احترام السيادة الوطنية وسلامة إقليمها، وحل المنازعات عبر التفاوض والتوسط، وليس بالقوة المسلحة. ووجه مؤسسي يتمثل في استخدام مؤسسات الأمم المتحدة ومنظماتها الفرعية، كمنابر لعرض القضايا ، وكمؤسسات لصياغة الإجماع الدولي في صورة قرارات، وكمنتديات لحشد القوى الدولية الداعمة، وكآليه لتأطير المواقف والحلول في إطار قواعد القانون الدولي. وتنقلنا نهاية التحليل السابق إلى مسألة القيم الحركية والسياسات التنفيذية. من ضمن القيم الحركية البراجماتية والنسبية السياسية والحياد السياسي. البراجماتية بمعنى التحرر النسبي من أسر الصيغ السياسية الجاهزة، وعدم الانسياق وراء قوة المواقف الجماعية بما تحمله من إكراه ضمني وتقديس لمواقف لم تعد صالحة لمواجهة التطورات الجديدة. والنموذج الواضح للبراجماتية سنجده، في القرارات التي اتخذتها لدعم اتفاقيات أوسلو التي تبنت حل الدولتين والاعتراف بشرعية إسرائيل. في عام 1993 انتهت مسيرة المفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية بتوقيع اتفاقية أوسلو، وقررت السلطنة المساهمة في دعم تلك المسيرة باستقبال إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل في ديسمبر 1994، وفي 1996 استقبلت شيمون بيريز. ولكن مع التعنت الإسرائيلي في استكمال استحقاقات أوسلو، وانطلاق الانتفاضة الفلسطينية الثانية سبتمبر 2000، كانت ثمة متغيرات ما يعني أن النسبية السياسية تعني أن العداوات والصداقات ليست أبدية بل متغيرة، ويبدو هذا في موقف السلطنة من الأزمة العربية التي أثارتها زيارة السادات لإسرائيل 1977، ثم توقيع اتفاقيات كامب ديفيد سبتمبر 1978. رفضت السلطنة الموافقة على قرارات قمة بغداد نوفمبر 1978، القاضية بنقل مقر جامعة الدول العربية من مصر وتعليق عضوية مصر. وبعد توقيع معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية مارس 1979، رفضت المشاركة في الحملة العربية العامة لمقاطعة مصر. وهو موقف أثبتت الأيام صحته عندما قررت الدول العربية في قمة عمان 1987 إنهاء تعليق عضوية مصر، ثم عودة الجامعة إلى مصر في 1990. والحياد السياسي يعني عدم التورط في انحيازات سياسية في مواجهة الصراعات الإقليمية، وفقًا للطابع الاستقطابي المهيمن علي الصراعات والأزمات العربية. ولا يعني الحياد غياب الموقف المبدئي من قضية الصراع، بل كونه النهج الأمثل لمن يريد المساعدة على حل الصراع، وحسب تحليل لاحد الباحثين يفيد الحياد العماني «استبطان القدرة علي إدارة جهود التهدئة، وإبقاء جميع القنوات مفتوحة مع جميع الأطراف، والالتزام بدور الوسيط السياسي بين الفرقاء». وتبدو أبرز نماذج الحياد العماني في الموقف من الحرب العراقية – الإيرانية 1980 – 1988، الذي سبق لنا الإشارة إليه.
ومن ضمن السياسات التنفيذية: التفاوض، والوساطة، ورفض التدخل العسكري وسياسات الحصار. سنجد أبرز نجاحات سياسة التفاوض والوساطة في الدور العماني في الاتفاقية النووية الإيرانية. شكلت عمان قناة الاتصال الأولى التي استكشف من خلالها الأمريكيون إمكانيات التفاوض، والوسيط لإنجاز اتفاقيات بناء ثقة للإفراج عن أمريكيين معتقلين في طهران، والطرف الذي قدم للأمريكيين صورة موضوعية للتفكير السياسي الإيراني ومخاوف وحقيقة طموحاته الوطنية وحدود تنازلاته، وشرح بحيادية المرارة التي يحملها الإيرانيون تجاه أمريكا منذ تخطيطها للانقلاب علي مصدق، واستضافت أولى جولات المفاوضات قبل انطلاقها العام والرسمي.
وسنجد أبرز نماذج سياسة رفض التدخل السياسي العسكري في الموقف العماني من الأزمات السورية والليبية واليمنية. حيث رفضت عمان التدخل لصالح أحد أطراف النزاع الوطني، فلم تشارك في قرارات الجامعة العربية ضد سوريا، ولم تظهر تأييدًا سياسيًا لأي فصيل عسكري متمرد على السلطة المركزية، ولم تقدم مساعدات عسكرية أومالية لأي منها، ورفضت التدخل العسكري العربي المباشر في ليبيا واليمن. لكنها لم تقف عند الرفض بل قدمت جهدها الإيجابي، من خلال جهود الوساطة التفاوضية. كانت مسقط الطرف المنظم ومكان اللقاء بين أنصار الله وحزب المؤتمر الشعبي العام ومبعوث الأمم المتحدة، ثم بين أنصار الله والولايات المتحدة. وفي الحالة السورية حاولت الدفع لحل الأزمة عبر جهد تفاوضي بين الفرقاء، مهدت له عام 2015 بزيارة وليد المعلم لمسقط، ثم اجتماع زيارة ابن علوي بالأسد في دمشق. ورفضت ممارسة سياسة الحصار عبر موقفها من الأزمة القطرية، برفضها المشاركة في حصار قطر أو إنهاء عمل بعثتها الدبلوماسية فيها. وفي كل الحالات السابقة كان الموقف العماني وقتها مناهضا لتيار عربي عام، مندفع وعنيف ويبدو على وشك الانتصار الكاسح. ولكن فشله في النهاية أوضح مدى الرشد السياسي والحنكة العملية في الموقف العماني. وسوف نجد عدة دوافع ساهمت في تأسيس هذا التمايز العماني. منها خصوصية موقع عمان بمشاركتها في مضيق هرمز والمحيط الهادي،وموقعها جنوب مستودع نفط العالم، بما يفرضه ذلك من حسابات استراتيجية وشعور بالمسؤولية. ومنها الخصوصية التاريخية العمانية. عمان ليست دولة حديثة صنعتها مخططات الاستعمار، بل دولة قديمة لها تراثها وتاريخها المجيد. وكانت طوال تاريخها قوة بحرية تجارية، عرفت سواحل الصين الجنوبية سفنها وتجارها قبل الميلاد. وكان لذلك تأثيره، حيث فرض البعد التاريخي للدولة الشعور بالتمايز التاريخي والوعي بمسؤولية مواصلته، وحمل التراث التجاري معه ثقافة المجتمعات التجارية، بما هي عليه من نسبية وتسامح واحترام للتنوع، وكان لذلك تأثيره الواضح. ومنها في النهاية تأثير النظام الإقليمي العربي في الربع الأخير من القرن الماضي. اتسم هذا النظام بدرجة عالية من الاستقطابية، رافقه استقطاب عالمي نشط للمنطقة، فرضت معها الكثير من الصراعات المهدرة للموارد، الأمر الذي فرض على صانع القرار العماني الحكيم النأي بنفسه عنها وتجنب التورط فيها، حماية لمواردة الوطنية من الإهدار وتكريسا لجهده لمشروع النهضة.