نوافذ: معارك «ببجي» الخاسرة

عبدالله بن سالم الشعيلي –
Twitter:@ashouily –

الأطباء اعتبروها متلازمة مرضية يجب العلاج منها، المشايخ ورجال الدين حرموها بسبب الإدمان عليها وآباء يبثون همومهم من غياب الأبناء جسديا وعقليا وأزواج يشتكون من انشغال شركائهم باللعب المتواصل على مدار اليوم، ومسؤولون يعانون من عدم تركيز موظفيهم على أعمالهم. ووحدهم اللاعبون هم من يشعرون بالنشوة والانتصار وسحق الآخر ولا يهمهم هرج ومرج الآخرين وتحذيراتهم فلعبتهم المفضلة هي الببجي وأصدقاؤهم المفضلؤن هم من يقاتلون معهم في المعارك السبرانية الخيالية فأهدافهم في الحياة تتمثل في القضاء على الأعداء وتحقيق الانتصار في النهاية حتى وإن كان نصرا على الشاشات فقط.
سمعت عن لعبة الببجي من البيت وتحديدا بعدما أدمنها ابني الصغير، أطلق ألعاب البلاي ستيشن وتزوج الببجي فأغلق على نفسه باب غرفته مستمتعا بمعاركه الليلية التي يسهر فيها مع خلانه ممن يلتقيهم على شاشة تلفونه أو جهاز حاسوبه. لا يخرج من غرفته إلا للضرورة ويعود إليها مسرعا لإكمال مغامراته، وكلما حقق نصرا سمعنا صراخا عاليا يشبه صراخ المنتصرين في ملاحم طروادة وداحس والغبراء. حتى بلغ السيل مني الزبى كما قالت العرب فقررت إغلاق الغرفة وسحب اللوح المحمول وإجباره للنزول إلى عالمه الواقعي كي نجلس كعائلة جلسة تعارف نحاول فيها أن يتعرف كل منا على الآخر.
الحديث عن هذه اللعبة لا ينتهي فهي من ألعاب القتال تبدأ بمعارك يشارك فيها لاعبون من مختلف أنحاء العالم يتعرفون على بعضهم بالصوت والصورة وتبدأ أولى مراحل نزالهم وحروبهم على خريطة مملوءة بالأدوات والأسلحة المختلفة يقتتلون فيما بينهم حتى الموت فالقوي يقتل الضعيف والنصرة في هذه المبارزات هي لمن يجيد الخدع الحربية بحيث لا يبقى على وجه تلك الخارطة سوى منتصر واحد فقط هو الفائز في تلك المعارك التي قد تمتد على مدى ثلاثة أيام من الحروب المتواصلة.
الأصل في هذه اللعبة كما تذكرها بعض المصادر الإلكترونية صنعتها شركة كورية لصالح شركة مايكروسوفت الأمريكية في عام 2017 وبيع منها أكثر من خمسة عشر مليون نسخة وتجاوز عدد لاعبيها مليوني لاعب حول العالم، وتعتبر في مقدمة التطبيقات الهاتفية تحميلا.
المخاطر المترتبة على إدمان مثل هذه الألعاب الإلكترونية حذرت منها منظمة الصحة العالمية التي أدرجت الاضطراب الناجم عن الألعاب الإلكترونية على قائمة المشاكل الصحية مما يمهد الطريق للاعتراف بهذا المرض رسميا وتصادق عليه الحكومات كأمراض تؤثر في سياسات الرعاية الصحية والتأمين الصحي.
هذا فصل من الفصول، أما الفصول الأخرى لروايات مخاطر الألعاب الإلكترونية فهي العنف الذي تسببه تلك الألعاب، حيث بات كثير من لاعبي هذه الألعاب يلجأون للعنف لحل مشاكلهم بدلًا من اتباع سياسات الود والتفاهم ويقول علماء الطب والنفس في ذلك أن عنف الواقع الافتراضي يفرض نفسه على الفرد كواقع معاش بحيث يلجأ إليه الفرد كحل لكثير من مشاكله. لكتابة هذا المقال قمت بتحميل هذه اللعبة على هاتفي النقال وإضافة بعض الأصدقاء للعب معهم وسؤال أهل الخبرة عن طرق وتكتيكات الخدع العسكرية المستخدمة للفوز وقتل الخصوم غير أن أقل من خمس دقائق كانت كفيلة بهزيمتي في المعارك التي خضتها فكل معاركي في الحياة خاسرة. الحديث عن هذه اللعبة وأخواتها من ألعاب القتال الدامية لا ينتهي فكلما ابتدع صانعو الترفيه والتسلية والبزنس لعبة أدمنها اللاعبون جاءت غيرها أخرى تكون أدهى منها وأمر وبدأ أصحاب المنابر والأقلام والسماعات والآباء في النصح والإرشاد والتحذير ولا يحرك ذلك ساكنا في عقول المدمنين لأن المدمن لن يردعه قول أو حتى فعل، ولن يجدي في هذا العالم نفع ما لم يتم وضع ضوابط وأخلاقيات تحكم هذا المسار.