صعود الصين يُقلق واشنطن

سمير عواد –

لا يترك الرئيس الصيني «كسي جينبينغ» فرصة تفوته إلا ويستغلها لدعوة بلاده المجتمع الدولي إلى تعزيز التعاون لضمان أمن واستقرار مصير بلدان العالم. لكن في كلمة ألقاها في العاصمة الصينية أخيرا، خرج عن هدوئه وهدد تايوان باستخدام القوة العسكرية ضدها لإعادتها إلى الصين. وهذا أول تهديد صيني مباشر للدولة التي تناصبها العداء منذ عقود. ويلاحظ المراقبون أن السياسة الخارجية الصينية أصبحت أشد شراسة من السابق، حيث إن التهديد باللجوء إلى القوة العسكرية ليس الأول من نوعه في العقد الجاري.
ففي سبتمبر الماضي كاد أن يقع اصطدام بين مدمرة حربية أمريكية وسفينة حربية صينية، وكان الفارق 41 مترا فصل بين الجانبين. وكانت المدمرة الأمريكية تبحر في بحر جنوب الصين في إطار مهمة لاستعراض القوة العسكرية الأمريكية في المنطقة بالتعاون مع دول أخرى يتم التعاون فيما بينها في اختبار حرية الملاحة في هذه المنطقة من العالم، التي تعتبرها الصين تحت وصايتها، وأقامت في جزرها منشآت عسكرية لتؤكد حق الوصاية. ويُقال إن السفينة الحربية الصينية توقفت على مسافة قريبة جدًا من المدمرة الأمريكية، وكان الجنود على الجانبين على أهبة الاستعداد للقتال لولا قيام المدمرة الأمريكية بالاستدارة وتغيير وجهة سيرها متجنبة المواجهة.
الحادث أشعل جدلا عالميا حول خطر التوترات الأخيرة بين واشنطن وبكين وتبادلهما التهديدات والعقوبات. والثابت أنه لو حصل تصادم بين السفينتين الحربيتين لكان أسفر عن وقوع قتلى وجرحى لاسيما، وأن كل واحدة كانت تحمل طاقمًا ضخمًا على متنها ولكانت قد أدت إلى أزمة خطيرة. وسجل الجيش الأمريكي ثمانية عشر حادثة من هذا النوع منذ عام 2016 في مياه بحر جنوب الصين. ويخشى المراقبون أن يفلت زمام الأمور لو حصلت حادثة مماثلة جديدة. ففي الوقت الراهن أصبحت المنطقة مؤهله لتكون مسرح مسلح صراع أمريكي- صيني.
وفي محافل دولية أخرى يدور بين أمريكا (القوة العظمى) والصين (القوة الصاعدة) منافسات وتحديات في مجالات التجارة وقضايا رفض رسوم جمركية على البضائع وسعي كل بلد للهيمنة على التقدم التكنولوجي في العالم وخاصة في إطار صنع الرقائق الإلكترونية والذكاء الاصطناعي ومواجهة الحرب السيبرانية علاوة على تعزيز النفوذ السياسي في العالم عبر المحافل الدولية خاصة وأنهما يتقلدان مقعدين دائمين في مجلس الأمن الدولي المعروف باسم «نادي الكبار».
وأصبحت الصين دولة متقدمة كثيرًا في المجال العسكري حيث تقوم بصناعة الطائرات والسفن الحربية والمدمرات يُحسب لها ألف حساب. وطورت كثيرًا من أسلحتها النووية وأخيرًا تجهيز غواصات برؤوس نووية حسب دراسة وضعها معهد «السياسة» في برلين الذي يقدم التقارير والمقترحات للحكومة والبرلمان الألمانيين حول النزاعات والأزمات الدولية. ويراقب الأوروبيون بقلق احتدام حدة الصراع بين واشنطن وبكين خاصة وأن للأوروبيين مصالح مختلفة مع كل من الولايات المتحدة الأمريكية والصين.
وليس هناك شك أن القوة الصاعدة، الصين، أصبحت تثير قلق الولايات المتحدة الأمريكية. ففي الرابع من أكتوبر بعد أيام قليلة على الحادث العرضي الذي وقع في بحر جنوب الصين، ألقى مايك بينس، نائب الرئيس الأمريكي كلمة في واشنطن، أكد المراقبون أنها تُعتبر دليلا على بدء حرب باردة جديدة، نسبة لما ركز فيها المسؤول الأمريكي الكبير على انتقاد الصين بشدة وبشكل غير مسبوق. والذي يؤكد ذلك أكثر، أنه بعد استلام ترامب منصبه، أصبحت كافة التيارات السياسية في الولايات المتحدة الأمريكية ترى الصين كعدو وليس كقوة صاعدة يمكن التعاون معها في مختلف المجالات. وعلى الطرف الصيني، يبدو أن بكين قبلت التحدي وفي مقال نشرته «صحيفة الشعب» الصينية في أغسطس الماضي، أكد كاتبه أن الحرب الباردة بين البلدين أصبحت قائمة بالفعل وأن أدواتها تختلف عن الحرب الباردة التي كانت في القرن الماضي دائرة بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا، حيث لا تسعى واشنطن إلى إضعاف توسع الصين في العالم اقتصاديا، وإنما عرقلة توطيد بكين علاقاتها الدولية، ولذلك تستعجل الصين إتمام مشروع «طريق الحرير» الذي سيعزز روابطها مع العديد من الدول التي ترتبط معها منذ الآن اقتصاديا من خلال الاستثمار فيها وتكثيف العلاقات الثقافية معها لتسهل الحوار السياسي عن طريق تشييد الجامعات فيها فيما تواصل الاستثمار في شركات التقنية العالية مثلما تفعل حاليًا في ألمانيا، حيث كانت أول مستثمر أجنبي في هذا البلد اشترى حصة كبيرة في شركة تنتج الرقائق الإلكترونية.
وقال «راينهارد بوتفيكر» عضو البرلمان الأوروبي المُلم بالشأن الصيني: إن بكين بدأت منذ فترة تقدم نفسها كقوة صاعدة في العالم وتعمل بتحول جذري لكن المشكلة من وجهة نظر الألماني بوتفيكر أن الصين تسعى للانفتاح على العالم بينما ما زالت تغلق الأبواب أمام العالم ليتعرف عليها من الداخل. وهذا بالتحديد الذي حذر منه الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير بعد زيارته أخيرا الصين، أنه كلما توطدت العلاقات بين دول العالم، ظهرت الفوارق والاختلافات إلى السطح. فالصين لا تريد السماح بأي حال من الأحوال أن يصبح للولايات المتحدة الأمريكية نفوذ في منطقة ومياه بحر جنوب الصين، واعتبرت واشنطن في عهد ترامب أن ذلك إهانة لمكانتها كقوة عظمى لا يجاريها أحد في العالم. غير أن الصين، راضية بالتحدي وهناك علامات بأنها مستعدة لقبول المنافسة رغم أن المراقبين يعتبرونها مُسبقا الطرف الخاسر أمام الولايات المتحدة الأمريكية؛ لأن الصين تعتمد على تصدير البضائع لأنحاء العالم الذي ساعدها لتكون بعد ألمانيا أكبر بلد مصدر للبضائع على مستوى العالم وأن أصدقاء وحلفاء الولايات المتحدة سوف يقفون في هذا النزاع في صف واشنطن بغض النظر عن الشخص الموجود في البيت الأبيض.
غير أنه ليس هناك أحد يريد اندلاع مواجهة عسكرية بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين، حتى قادة البلدين الذين يعملون من أجل تفاديه بأي ثمن لكن ازدياد الحوادث العرضية التي كادت تُسفر عن وقوع إصابات على الجانبين، قد يُشعل النار التي لا يُريدها أحد. لذلك ستظل الحرب الباردة بحسب المراقبين القلقين في مجال المنافسة على القطاع التكنولوجي وهنا سيتحدد اسم الرابح من المنافسة الساخنة بين واشنطن وبكين.