أيها الخبراء .. لا ترقصوا طربا

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –


يقول فرانك فوريدي في كتابه (أين ذهب كل المثقفين؟): «إن الواقع متعدد الأبعاد، ومعرفته تتطلب أن يتحدث المرء ويعمل عابرا مجالات وتخصصات مختلفة. لسوء الحظ، حتى في الجامعة فإن ضرورة التخصص تحول دون اكتساب المعرفة العامة التي تشكل شرطا سابقا لعمل المجتمع ذي التوجه المعرفي.

تفرض استحقاقات الوظيفة الكثير من المسميات الإدارية، ولعل الأهم في هذه الجانب ليس فقط المسمى، ولكن المهم هو الوظيفة التي تتبع بالمسمى، وما تقوم به من أدوار مختلفة تعزز من مستوى الأداء، وتعلي سقف الإنتاج، وتجعل المؤسسة حيوية التكوُّن المستمر، وهو تكوُّن لا يُقبل منه أبدا أن يؤول إلى هرمها، أو إلى تراجعها، في الوقت نفسه يفترض -وفق هذه الرؤية- أن تحافظ المؤسسة على مجموعة الإنجازات، ومجموعة القيم التي تأسست عليها منذ نشأتها الأولى، وأصبحت أعرافا تقليدية غير جامدة، وإنما حيوية الاستمرار والعطاء، وعندما نقول أعرافا تقليدية، فإننا لا نقصدها لذاتها، وإنما تظل في حكم القوانين المنظمة للمؤسسة، وهي القوانين الراسخة التي تعطي التميز، والتفرد، ويشار إلى المؤسسة من خلالها بالبنان، وفي الوقت نفسه تعلي أسهم المؤسسة في أسواق الأسهم، ولذلك هي تحافظ على شخصيتها الاعتبارية وفق المقاييس الدولية، فالمسألة تتجاوز الألقاب الإدارية المغرية التي تبعث في النفس الانتشاء، والتي يرى فيها ضعاف النفوس المسار نحو اكتساب الوجاهة، لا غير.
هذه المقدمة تقودنا إلى مسمى وظيفي، أراه من وجهة نظر شخصية، أنه مسمى وظيفي نوعي في حقيقته، وتراكمي في مجموعة الخبرات التي يتحرك من خلالها لتعزيز دور المؤسسة التي يكون فيها، وهو مسمى الـ«الخبير» وإن تعددت مسمياته الوظيفية: خبير إداري، خبير فني، خبير تدريب، خبير دراسات، خبير موارد بشرية، وقس على ذلك أمثلة كثيرة تتعدد في المسمى، ولكنها تتفق كلها على ثيمة مهمة لأي مؤسسة، وهي الـ«إنجاز» وهو حصيلة كل الآليات والقوى الفاعلة في المؤسسة، متجاوز بذلك كم المدخلات، ومفضية إلى مخرجات كمية ونوعية في آن واحد.
يوثق الواقع -وهو ما يؤسف له حقا- صورا مناقضة للصورة التي نرسمها، ونتوقعها، ونتوق إليها من مسمى الخبير، وخاصة في الإدارات التقليدية، حيث ما يسند من مهام لمن يحمل مسمى الـ«خبير» تكاد تكون شبه معدومة، مع أن المسمى في الهيكل الوظيفي لكثير من المؤسسات يعقب رئيس مجلس الإدارة، وقبل الوصول إلى أفق المسميات الإدارية المختلفة، وهذا ما يعكس الأهمية التي يتولاها الخبير في هيكلة المؤسسات، وهذا الواقع هو ما يناقض نفسه، بين هيكلية الخبير في المؤسسات وبين الأدوار المسنودة إلى الخبير في ذات المؤسسة، أمر يبعث على الدهشة، ويثير الأسئلة!
يفرض الواقع المهني لمختلف الوظائف في المؤسسة على من يستحق أن يصل إلى هذا المستوى الرفيع في المؤسسة، أن يكون محققًا لمجموعة الشروط، وهنا أذكر بعضها بحكم الخبرة العملية، والمعايشة الميدانية للتجربة العملية السابقة، ومن ذلك:

  • الخبرة العملية؛ فلا يعقل أن يتقلد هذا المنصب وهو لم يكمل العقد الثاني في ذات الوظيفة، سواء في المؤسسة التي هو فيها، أو المؤسسة المنتقل منها، في حالة أنه منتقل من مؤسسة أخرى، ولو أنه يفضل أن يكون الخبير الأقرب إلى فهم مكونات المؤسسة، ومجموعة القوى الفاعلة فيها، أن قضى جل فترة العقدين في ذات المؤسسة، وحتى يحظى أيضا بشيء من التقدير من جميع القوى العاملة في ذات المؤسسة؛ لأنه ينظر إلى القادم على أنه غريب، وقد يحاط بكثير من الأسئلة الاستنكارية عن سبب وجوده، في ظل مؤسسة -غالبا- متضخمة بالخبرات الوظيفية في مختلف الأقسام.
  • المتحقق المعرفي- وهذا أمر مهم- وجل الإدارات لا تكتفي بالخبرة العملية المجردة أو غير المسنودة بمؤهلات دراسية متقدمة في المجال الذي يعمل فيه الخبير، خاصة مع التسليم المطلق أن العلوم حالة ديناميكية متطورة، سواء تطور تقني، أو تطور نظري، فاستحقاقات الإدارة اليوم لا تقف عند التطور التقني فقط، وإنما تذهب إلى التطور النظري، وإلى العمق الفلسفي، وإلى مخاطبة الذات، ولا تكفي الخبرة العملية المجردة من المعارف الحديثة، فإيجاد البيئة التفاعلية «النشطة» ليس فقط في المحيط الإداري القريب وإنما تيسير ذات الفاعلية مع المحيط الخارجي، وما هو مستجد في علوم الخبراء على مستوى العالم، مع التأكيد أن التواصل مع التجارب العالمية تحكمها محددات؛ يأتي في مقدمتها اللغة والتخصص المعمق؛ لأن اللقاءات العلمية الدولية، تحتاج إلى إعداد أوراق عمل متحقق فيها القيمة العلمية، وهذه ليس بسيط إعدادها، إن لم يكن الخبير على قدر كبير من وعيه لتخصصه.
  • تواصل مستمر لكل ما هو جديد في ذات المجال، وهذا الاستمرار يقتضي تقفي أثر العلوم والمعارف، ودورات التدريب، وحلقات العمل؛ لاكتساب مزيد من المعارف والعلوم، بالإضافة إلى التواصل المستمر مع الخبراء الدوليين في ذات المجال، من خلال الالتحاق بالمؤتمرات والندوات الدولية، أو الانضمام إلى المنظمات، والهيئات، ومعاهد التدريب، ذات التوجه المهني في مختلف التخصصات الإدارية والفنية.
    ومع تحقق كل ذلك وغيره، فإن ذلك لن ينفي مجموعة من المعوقات التي قد يجدها الـ«خبير» في طريقه، وهي بلا شك تقيد عمل الخبير، وأنشطته المهنية، ويأتي في مقدمتها:
  • التكاليف المالية، التي تقف دائما عائقا أمام المخططين والحالمين للارتقاء، سواء بالمستوى الفني، أو المستوى الإداري، وخاصة فيما يتعلق بالقطاع البشري، وهنا يأتي دور الخبير لإيجاد حلول نافذة لإيجاد مصادر دخل داعمة لأنشطة المؤسسة.
  • عدم المساواة الأفقية للمعرفة الإدارية (موظف جديد/‏‏ موظف قديم)؛ وهذه إشكالية قائمة في كل المؤسسات انعكاسا لتجديد الطاقات البشرية من ناحية، وخروج فئات أخرى إلى مرحلة التقاعد، وهي ما تسمى بعملية الإحلال، هذه تشكل فجوة طبيعية دائمة.
  • المعوقات الفكرية على امتداد السلم الوظيفي؛ وهذا أمر مفروغ منه، فقطاع الموظفين قطاع عريض، فيه الموظف العام، والموظف المتخصص، والموظف الذي له باع طويل في عمر الوظيفة، وموظف للتو يخطو خطواته الأولى، وهذه كلها تحديات يواجهها الخبير لإيجاد مسارين: أفقيا ورأسيا متوازيين ومتكاملين.
  • «وشوشات» الحسد والغيرة وارتباكات الأمانة والصدق، هذه تحديات معنوية أكثر منها مادية، والخبير مطالب -مع ذلك- بإيجاد حلول تقترب من الواقع للتقليل من تأثيراتها الجانبية على بيئة العمل؛ لأن توسعها خطر كبير على مستوى إنتاج المؤسسة بشكل عام.
    يقول فرانك فوريدي في كتابه (أين ذهب كل المثقفين؟): «إن الواقع متعدد الأبعاد، ومعرفته تتطلب أن يتحدث المرء ويعمل عابرا مجالات وتخصصات مختلفة. لسوء الحظ، حتى في الجامعة فإن ضرورة التخصص تحول دون اكتساب المعرفة العامة التي تشكل شرطا سابقا لعمل المجتمع ذي التوجه المعرفي. في المحصلة، فإن تلاشي المعرفة العامة يؤدي إلى حرمان المجتمع من شبكة أوسع من المعنى العام».
    وفرانك هنا لا يتحدث عن استحقاقات الـ«خبير» بصورة مباشرة مطلقة، وإنما يشير إلى «إن الواقع متعدد الأبعاد …» وبالتالي فكل بعد في هذا الواقع يحتاج إلى تخصص في مجاله، وأحيانا حتى المجال الواحد يحتاج إلى أكثر من معرفة، والإدارات الحديثة اليوم تركز كثيرا على التنوع في التخصص الواحد؛ لأن التعامل مع القوى البشرية العاملة يحتاج إلى كثير من المهارات، ويظل الخبراء أكثر الموظفين في المؤسسة معنيين بإيجاد البيئة العملية القادرة على التعامل -ليس فقط- مع المستجدات التقنية في المجالات الإدارية، بل مع المستجدات التي تخاطب الإشباعات النفسية والوجدانية وتعميمها على موظفي المؤسسة دون تمييز، وتأهيل الكوادر الوظيفية غير المؤهلة في ذات المجالات.
    أختم هنا بضرورة تحييد المسؤولية الوطنية والمعرفية والخبرات، عن المظان الشخصية عند من يوكل إليه هذه المهمة، وهو تحييد يصبح ملزما للنأي بالمؤسسة، التي هي إحدى مفردات الوطن، وهذا التحييد يحتاج إلى بنية أساسية ماكنة ترسمها المؤسسة عند نشأتها الأولى، وذلك من خلال وجود الصحة البيئية في المناخ الإداري، ووضوح المسار الوظيفي والمهني لجميع العاملين في المؤسسة منذ بدء خطوتهم الأولى داخل محيط المؤسسة، وكذلك اعتماد عمليات التدوير، وهذه كلها عوامل مهمة ودافعة لتعزيز دور الخبير لتوظيف وسائله المهنية وتطبيقها عمليا، أما ما يشاع اليوم حول حقيقة الدور الذي يؤديه الخبير، ورسم صورة نمطية تذهب بالخبير إلى أركانه جانبا لا فرق بينه وبين أي قطعة أثاث، تظل حالة استثنائية في بعض ثقافة البيئات الإدارية.