درس السكينة

آن الكندية –

والله (استحيت) أن أذرف دموعي أمام ما رأيت من صمود أم ثكلى لابنة ذات الثلاثة عشر ربيعاً. علمتني هذه الأم درسا لمعنى الصبر عند الصدمة الأولى كما عَلمنا والدها كيف ترفع يدك الى السماء تضرعا لله حين يذرف مشيعو الجنازة دموعهم وهم يضعون ابنته في مرقدها الأخير. كل الخسارات لا معنى لها ولا قيمة أمام خسارتهم فأي شيء أثمن من روح أبنائك حتى روحك تتنازل عنها إنقاذا لهم. فما بالك بفقد يباغتك بحادث بسيط دون أن تتهيأ له بمسببات كمرض أو إصابات تأخذ وقتها!!.
ظن المعزون أن الأم واقعة تحت هول فجيعتها فلم تستطع البكاء، فنحن لم نعتد رؤية معنى التسليم لله وأن الخيرة فيما اختاره الله، لم يعرفوا أن أمها أشرفت على تغسيل ابنتها وتكفينها، أدت دورها كأم حتى بعد أن فارقت الروح جسد ابنتها. رأى الأم والأب خيرا في مصابهما الجلل وإن كانوا لا يعلمونه بعد فالله يكشف سر قضائه لأوليائه الصابرين بعد حين. نشكر الله ونحمده عن نجاتنا من مكروه أو عند مكسبنا لما نتمنى، فكم منا حامد للمكروه نفسه؟! كم منا رضي بابتلاء الله بنقص في الأنفس والأموال، وبشيء من الخوف والجوع وانتظر بشارة الصابرين؟.
تجنبت رؤية الحزن في عيني أمها، ووددت أن لا ترى حزني في عيني تعلمت من خالاتها وعماتها كيف يبكين في غرف مغلقة بعيدا عنها فذلك هو حق العزاء كما رأيته في احتواء الصديقات. كانت هي مثالا لخير سكينة الله عندما تنزل في قلب المؤمن فتصغر في عينيه مصائبه. هنا لا ينفعك ذكاؤك ولا علمك ولا شهرتك وحتما ليس مالك ومنصبك لتدرك أن السكينة خير الأرزاق وباب دخول الجنة. «ولمن خاف مقام ربه جنتان»، «ويدخلهم الجنة عرفها لهم»، كيف عرفوها من قبل أن يدخلوها؟، آيات قرآنية تتحدث عن جنتين من لم يعرف جنة الدنيا لن يعرف جنة الآخرة. السكينة مفتاح الجنتين لكن كيف تحصل عليها ونحن جل سعينا في الحياة لتحيق إنجازات دون أن نعي أن أساس الطموح هو الفضائل، وأن الفضائل تستند على مقدار ثقتك بالله ليلهمك القوة أمام مغريات أساليب تحقيق النتائج السريعة.
كم من مصائب فقد مرت علي تلاشت جميعها عندما شهدت بأم عيني المعنى الحقيقي للذين أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون. لا خسارات في الحياة إذ أن الملك لله وحده وما اكتسبناه من مال وأبناء أمانات فنحن لسنا سوى وسائل. خجلت من حزن مررت به وقلق اعتراني لفقد يمكن تعويضه، فتعلمت معنى أن أفوض أمري إلى الله ليتولاني فيمن تولاه.
كم هو سهل أن تغرق في بحر أحزانك وتُسلم نفسك لضعفها فنحن وقعنا تاريخيا في فخ المفاهيم المغلوطة فلا نفرق بين قضاء الله وقدره وبين المقضي. القضاء والقدر لا حيلة لك ولا قوة لمنعه، فلم أسمع في العزاء لوما وتأنيبا أو تشكيكا لأحد وللطاقم الطبي بل سمعت عرفانا لجهودهم المبذولة لوقف نزيفها، إلا أن كل المحاولات تقف عند حقيقة أن «لكل أجل كتاب». والمقضي مكروه ينزل علينا، مكر سيء لا يحيق إلا بأهله (قادرون) على تغييره بل واجبنا التصدي له، وفي كلتا الحالتين نأخذ بالأسباب لا نستسلم إلا لله لا مقدرات البشر.