الحوار أسلوب للعيش

المهدي مستقيم*

الحوار كما يقول «سوريو» هو «الشكل الفلسفيّ المُمتاز»، بيد أنّ الأفكار أكثر ما تكون فلسفيّة عندما يستطيع مَن يفكّر فيها من الداخل أن يبحث عن وجهها الخارجيّ. إذ يحدّ الحوار- بما هو فعل مستمرّ في الزمن، أو بما هو فعل لا يعرف انقطاعات و توقّفات- من سطوة النهايات المُغلَقة، وعنف الإجابات الجاهزة، وسقم المسلّمات المُطلَقة. إنّه فعلٌ حيويّ لا يكفّ عن تحويل الأجوبة إلى أسئلة جديدة، تنتفض أمام مناورات آباء الكهنوت الذين يسعون إلى تأبيد قدسيَّتهم الساحقة، بتكريس ثقافة الخنوع والعبوديّة، والإذعان والتصديق، والسكون والتقليد.
إنّه من البديهي أنْ «لا حوار من دون حرّية، أعني الحرّية التي يتجاوب فيها الفرد مع المجتمع، والتي تحكم العلاقة بين المُبدِع والمتلقّي، وأشكال الخطاب بين المفكِّر والمفكَّر به، الحرّية التي تنتقل من خارج الفرد إلى داخله، والتي تختفي معها القيود السياسيّة والاجتماعيّة والفكريّة والإبداعيّة كلّها» (جابر عصفور، هوامش على دفتر التنوير).
من هذا المنطلق يسعى المفكّر المغربي «علي بنمخلوف» في مصنّفه الأخير: «الحوار أسلوباً للعيش»-الصادر عن منشورات ألبان ميشال الفرنسيّة – إلى الإسهام في إضاءة هذا الوعي، إيماناً منه بأنّ الحوار يأخذ عن طريق الكلام شكلاً حضاريّاً، ويبتعد عن ضروب الاستعراض، وعرض المذاهب ، ناهيك بكونه يتخطّى أشكال الصراع الإيديولوجيّ ذي اللّبوس الجدليّ كلّها.
ولعلّ الكلام الملغَّز والمشفَّر، هو ما يجعل طريق الفهم مفتوحة أمام مداخل متعدّدة. فنحن نتحاور لكي نغذّي شكوكنا لا لكي نزيد من وطأة يقينيّاتنا، كما أنّ التركيز على قيمة الحوار، بما هو تبادل للكلام لا ينتقص من شأن فعل الكِتابة، بقدر ما يزيده حيويّة وانتعاشاً. على أنّ الخطاب لا يتحدّد في كونه مجموعاً مُنظَّماً لما نُنتجه من قول، ولا في الطريقة التي نُنتجه بها، وإنّما في ما لا نقوله، أي في ما نخفيه، بل يتمظهر في أفعالنا وسلوكاتنا أيضاً. إنّه مجموع المعاني المقيَّدة والمقيِّدة التي تنتشر عن طريق العلاقات الاجتماعية.
ويدلّ استحضار علي بنمخلوف لأطروحة ميشال فوكو حول موضوعة الخطاب، إلى أهمّيتها وجريان مفعولها، ودلالتها القويّة، على أن إنتاج الخطاب في كلّ مجتمع، هو في الوقت نفسه إنتاج مُراقَب، ومُنتقى، ومُنظَّم، ومُعاد توزيعه من خلال عدد من الإجراءات التي يكون دَورها هو الحدّ من سلطاته ومخاطره، والتحكّم في حدوثه المُحتمَل، وإخفاء مادّيته الثقيلة والرهيبة. إنّنا نعرف طبعاً، في مجتمع كمجتمعنا، إجراء الاستبعاد. أكثر هذه الإجراءات بداهةً، وأكثرها تداولاً كذلك هي المَنْع. إنّنا نعرف جيّداً أنّه ليس لدينا الحقّ في أن نقول كلّ شيء، وأنّنا لا يُمكن أن نتحدّث عن كلّ شيء في كلّ ظرف، ونعرف أخيراً ألّا أحد يُمكنه أن يتحدّث عن أيّ شيء كان. هناك الموضوع الذي لا يجوز الحديث عنه، وهناك الطقوس الخاصّة بكلّ ظرف، وحقّ الامتياز أو الخصوصية الممنوح للذات المُتحدِّثة: تلك هي لعبة الأنواع الثلاثة من إجراءات المنع التي تتقاطع وتتعاضد أو يعوِّض بعضها البعض، مُشكِّلةً سياجاً معقّداً يتعدّل باستمرار. أشير فقط إلى أنّ المناطق التي أُحكِم السياج حولها، وتتضاعف من حولها الخانات السود في أيّامنا هذه هي مناطق الجنس والسياسة: وكأنّ الخطاب، بدل أن يكون هذا العنصر الشفّاف أو المُحايد الذي يُجرِّد فيه الجنس من سلاحه وتكتسب فيه السياسة طابعاً سليماً، هو أحد المواقع التي تُمارِس فيها هذه المناطق بعض سلطتها الرهيبة بشكل أفضل. يبدو أنّ الخطاب في ظاهره شيء بسيط، لكنّ أشكال المنع التي تلحقه تكشف مبكّراً وبسرعة عن ارتباطه بالرغبة وبالسلطة. وما المُستغرَب في ذلك مادام الخِطاب – وقد أوضح لنا التحليل النفسي ذلك- ليس هو ما يظهر فقط « أو يخفي الرغبة، لكنّه أيضاً هو موضوع الرغبة. وما دام الخطاب- والتاريخ ما فتئ يُعلّمنا ذلك- ليس هو ما يُترجِم الصراعات أو أنظمة السيطرة فحسب، لكنّه هو ما نُصارِع به، وهو السلطة التي نحاول الاستيلاء عليها» (ميشال فوكو، نظام الخطاب).
يسعى الخطاب بحسب بنمخلوف إلى جعل الآخر قريباً من القول، إنّه يعامل الآخر وكأنّه ماثلٌ أمامه، إذ نتخيّل ونحن نقرأ رسالة أنّ صاحبها يقرأ كلماتها، وأنّه ثمّة ابتسامة تُرافِق هذه القراءة، وهذه عمليّة يُمكننا أن نُباشرها من دون معرفة الآخر الذي يُخاطبنا؛ بيد أنّ القراءة هي حوار مع أشخاص ينتمون إلى الماضي، كما أوضح ذلك ديكارت في كِتابه البديع «مقالة في المنهج».
يهدف مصنّف علي بنمخلوف إلى تقديم بعض النظريّات العامّة، التي تمَّ صوغها حول موضوعة الحوار، مُستنطقاً النماذج التي عرضها مونتانيMontaigne، ونخصّ بالذكر كِتابه: «فنّ التحاور». ومن أجل ذلك يدعونا بنمخلوف إلى مشاركته رحلة طويلة ومشوّقة سنقف من خلالها على نماذج من الأدب والفلسفة تركت بصمتها في تاريخ التجربة الإنسانية المُشترَكة؛ فمن مناخ القرن التاسع عشر الأنغلوساكسوني، حيث لويس كارول وجاك غودي وجيمس أج، يعرّج بنا بنمخلوف إلى أجواء القرون الوسطى، وبالضبط بغداد القرن العاشر، حيث التوحيدي والفارابي، ليستقرّ بنا بعد ذلك على ضفّة الأسئلة السيميائية التأويلية، وما يرافقها من أطروحات ذات لبوسٍ ألسني تداولي، وفي ارتباطٍ مع هذه القضايا السيميائية، يقدِّم لنا بنمخلوف، الحوار كشكلٍ من أشكال التعلّم، يضمُّ عناصر فيها من اللّعب والمرح ما يسهِّل عملية نخزينها في الذاكرة. فمن دون هذا اللّعب سيتهدَّد التلميذَ الناشئ خطرُ الوقوع في أشراك الملل والرتابة والسأم، الذي وسم حالة « أليس» في بداية حكاية لويس كارول الرائعة: «مغامرات أليس في بلاد العجائب». «أليس» التي كانت تجلس مع أختها الكبرى في حديقة البيت، هاته الأخيرة التي كانت تحدّثها عن العالَم من خلال كِتاب من كُتب التاريخ، ولكن «أليس» لم تكُن تصغي إليها، لأنّ الكِتاب افتقر إلى الرسوم والصور التوضيحية والمُحاورات والمناقشات، ويحثّ عوض ذلك على الحفظ واستظهار القواعد النحوية بشكل ميكانيكي، هذا ما جعل «أليس» تفكّر في عالَمها الخاصّ، وتحلِّق بعقلها الصغير وخيالها المجنّح بعيداً من أرض الواقع.
والحوار بما هو مغامرة بطلتها العبارة، لا يُحيي الكلمات وينعشها فحسب، ولا يبحث كما هو حال فلوبير وبروست عن الحياة خلف الكلمات وفي داخلها، وإنّما عن طريقها وبها يحدّ من خطر الصمت، ويتيح إمكانات إنقاذ الآخر، ويرسِّخ بالتالي الوظيفة الحيوية للحوار والتحاور، والتي من خلالها لا نتبادل الكلمات فقط وإنّما الأجساد أيضاً. يرمي بنمخلوف من خلال مصنّفه هذا إذن، إبراز مدى فاعليّة الكلمات وحركيّتها.
تُرى هل تُفسد الكِتابةُ الحوارَ؟
كلّا، فالكِتابة خزّان. إنّها أرشيفٌ شاهد على أهمّية الكلام، فمراسلات فلوبير وآثار مونتاني ومذكّرات سان سيمون ومغامرات «أليس في بلاد العجائب» للويس كارول، وغيرها كثير، تُبرز غنى الأساليب والترنيمات والإيقاعات، ونَفَسْ الكلمات ومختلف الأصوات المنبعثة، وأثرها في تحقيق عمليّات الفَهم وإنعاشها، إذ يجتمع هؤلاء الكُتّاب والفلاسفة كلّهم، بحسب علي بنمخلوف، من ضمن دائرة الكِتابة الشفويّة. وتنقلنا كتاباتهم مباشرةً إلى عالَم الحوار، كلّ بطريقته الخاصّة يلحّ على شكل شخصيّاته وصوتها، ويُسلّط الضوء على تعدّد أشكال تعبيراتها ونطقها.
يرفض علي بنمخلوف آراء المتصوّفة المُلتفّين حول حلقة المعنى الواحد الأوحد، والذين يحملون على الاعتقاد أنّ الكلمة حمّالة معنى وحيد، وأنّه من خلال الكلمات ينبجس هذا المعنى فقط. إنّهم يروّجون لأسطورة عظمى ذات محورٍ صلد يصعب اختراقه؛ بيد أنّ لعبة الالفاظ المُتجانسة ذات المعاني المُتباينة (HOMONYMIE) التي وظَّفها لويس كارول، تَظهر على شكل إرادة قويّة تسعى إلى وضع حدّ لطباع المعنى السريالية التي تقدّمها الكِتابة ذات البُعد الواحد والوحيد.

ويختم علي بنمخلوف مصنّفه الشيّق بسؤالٍ ذي طابعٍ بيداغوجيّ: هل من الضروري المرور عبر الحكاية والرسوم المتحرّكة، والأطفال مثل «أليس» وشخصيّات أخرى حتى نأخذ الحوار على محمل الجدّ، أي من أجل مزج التركيبات الشعرية بالواقعية؟
إجابة منه عن هذا السؤال، يرى بنمخلوف أنّ التجريد الرياضي والتخييل الشعري عنصران مُتعارضان ومتباعدان، لا يُمكن إلّا للحوار أن يسلِّط عليها الضوء، ويضعهما جنباً إلى جنب. بيد أنّ التفكير الصارم، المتشابك التعقيد، يُمكن ترجمته إلى صيغ تبادُليّة، فيها من الأخذ والردّ في الكلام، والفكاهة والمرح، بما يسهّل إمكانات تخزينها وحفظها في الذاكرة.
*باحث من المغرب
** ينشر بترتيب مع مؤسسة الفكر العربي