«5 أسباب» تفسر صواب قرار سحب القوات من سوريا

آرون ديفيد ميلر وريتشارد سوكولسكي –
لوس انجلس تايمز/ ترجمة قاسم مكي –

ضجت مؤسسة السياسة الخارجية الأمريكية في معظمها، يمينها ويسارها، من قرار الرئيس ترامب بسحب ألفي جندي من سوريا. وإذا جاز لنا تصديق منتقديه فإن القرار يرقى إلى أن يكون واحدا من أفدح أخطاء السياسة الخارجية في تاريخ الولايات المتحدة وكارثة لمصالح الأمة الأمريكية ونفوذها في الشرق الأوسط.
لكن إذا وضعنا كل شيء في الاعتبار سنجد أن مخاوف رافضي الانسحاب مبالغ فيها على الرغم من أن عدم مشاورة الرئيس الكونجرس والحلفاء أو التنسيق معهم في اتخاذ القرار سوء تصرف سياسي ودبلوماسي يصيب الرأس بالدوار (يدعو إلى الحيرة). هنالك خمسة أسباب لذلك:
أولا، داعش تسيطر الآن على 1% فقط من الأراضي التي كانت تحتفظ بها في سوريا والعراق. لقد فقدت الآلاف من مسلحيها وتدنى تجنيدها. كما أن سوريا ليست العراق في عام 2011 حينما كان مسلحو داعش يتقدمون في المناطق التي لم تكن توجد بها قوة موازنة لهم. فمحاربوها لايزالون يواجهون آلافا من أفراد القوات الكردية الأشداء. ولدى سوريا وإيران وإسرائيل وتركيا وروسيا مصلحة مشتركة في منع ظهور داعش مجددا. صحيح ستستمر الهجمات المسلحة للمتشددين في شمال شرق سوريا ويمكنها يقينا أن تسهم في إبقاء سوريا في حالة من عدم الاستقرار. لكن استمرار الوجود العسكري الأمريكي لن يغير ذلك أو ينهي خطر شن هجوم إرهابي على الولايات المتحدة. لم يكن القضاء المبرم على داعش هدفا واقعيا أبدا. فالمظالم السياسية والاقتصادية والطائفية التي ألهمت مقاتليها لايمكن القضاء عليها بالوسائل العسكرية وحدها. وإدارة ترامب ترفض الاستثمار في ذلك النوع من جهود بسط الاستقرار الذي قد يعالج هذه المسائل.
ثانيا، صحيح أن موطئ القدم الذي أسسته إيران وحزب الله اللبناني في سوريا يهدد الأمن الإسرائيلي. لكن إسرائيل تملك القدرة على الدفاع عن نفسها وهي تفعل ذلك بمهاجمة أهداف إيرانية وأخرى تابعة لحزب الله في سوريا. وكان رئيس اركان قوات الدفاع الإسرائيلية قد صرح بعد إعلان ترامب قائلا «أعداؤنا في سوريا يعلمون تفوقنا الاستخباراتي والجوي». أما بالنسبة للأكراد فقد أوضح المسؤولون الأمريكيون دائما أن واشنطن تنظر إلى شراكتها مع هؤلاء المقاتلين كمعاملة (شراء وبيع) مؤقتة وتكتيكية. فببساطة ليس في مصلحة الولايات المتحدة المساهمة في استقطاع منطقة مستقلة ذاتيا يسعى الأكراد للحصول عليها في شمال شرق سوريا. فمثل ذلك القتال قد يقود إلى مواجهة مباشرة مع قوات الرئيس السوري بشار الأسد أومع حليفتنا في الناتو تركيا التي تعتبر الأكراد السوريين المتحالفين مع حزب العمال الكردستاني عدوا لدودا. ولدى كبار اللاعبين (في سوريا) بمن فيهم تركيا مصلحة في تجنب خوض معركة شاملة مع الأكراد الذين شرعوا عقب قرار ترامب في البحث عن صلح مع نظام الأسد.
ثالثا، لا توجد للولايات المتحدة مصالح حيوية في سوريا. هذا كان صحيحا في عهد الرئيس أوباما كما هو صحيح أيضا في عهد ترامب. نعم، الحرب السورية صراع بالوكالة بين الولايات المتحدة وإيران وروسيا. ونعم، للحرب خسائرها المخيفة (مقتل مئات الآلاف من المدنيين و أزمة لاجئين ضخمة ودمار مدن كاملة وإرسال إرهابيين حول العالم). لكن بعد الحروب المتطاولة في العراق وأفغانستان لا يؤيد البيت الأبيض أو الكونجرس أو الشعب الأمريكي استثمارا عسكريا واقتصاديا أمريكيا كبيرا في سوريا. فسوريا ليست مصدرا للنفط. ولا تهدد وجود إسرائيل. والتهديد الإرهابي الذي تشكله للولايات المتحدة تم تضخيمه والأفضل التعامل معه بوسائل أخرى خلاف العمل العسكري. إن سوريا بلد مدمر ومعطوب بحيث لن يكون بمقدور روسيا أو إيران استخدام نفوذهما فيه كمنصة انطلاق لبسط هيمنتهما في الشرق الأوسط.
رابعا، ستهيمن إيران وروسيا على سوريا كما سبق أن فعلتا ذلك على مدى أعوام. ولدى كلا البلدين دائما رهان استراتيجي أكبر مما لدى الولايات المتحدة في سوريا. وبالتالي هما أكثر استعدادا للقبول بدفع ثمن أعلى لحماية مصالحهما هناك. وسيعاني الآن كلا البلدين لتهدئة وإعادة بناء بلد مزقته الحرب. أما إذا بقيت القوات الأمريكية في سوريا فسيكون في وسع بوتين والإيرانيين ترك بعض الأعمال المتعلقة بمواجهة بقايا داعش لواشنطن. لكن لن يصبح ذلك ممكنا بعد الانسحاب. أيضا مع ذهاب الولايات المتحدة وهي الخصم المشترك لهما يمكن أن يتصاعد التوتر بين ايران وروسيا. وكلما تزايد عبء سوريا على روسيا وإيران كلما كان ذلك أفضل للولايات المتحدة. خامسا، إن أية خسارة للولايات المتحدة ناشئة عن جعجعتنا الطائشة وسياساتنا المرتبكة في سوريا. فنحن لم نلتزم أبدا بالإطاحة بالأسد أو إخراج إيران من سوريا أو مساعدة الأكراد على تحقيق أهدافهم السياسية. وسيحكم حلفاء واشنطن على كيفية تعاملها معهم «كل منهم على حدة» وليس على الكيفية التي تصرفت بها في بلد لا توجد لديها فيه مصالح حيوية. لقد فشل رئيسان أمريكيان في وضع سياسة فعالة تجاه سوريا والحرب الأهلية السورية. وقد يؤدي سحب ألفي جندي أمريكي من ميدان قتال تملك فيه قوى أخرى الإرادة والموارد الكافية لتفوقها إلى إدخال سوريا في أوضاع أشد فوضوية مما هي عليه الآن. لكن إبقاء القوات العسكرية الأمريكية هناك بدون استراتيجية جادة وطويلة الأمد أو أهداف ممكنة التحقيق لن يجعل الوضع أفضل كثيرا. إن سوريا لم تكن أبدا بلدا ينبغي لأمريكا أن تكسبه أو تخسره. والخروج منها الآن ليس كارثة.

الكاتبان: ميلر نائب لرئيس مركز ويدرو يلسون. عمل مستشارا بوزارة الخارجية في حكومتي الجمهوريين والديموقراطيين. سوكولوفسكي زميل أول غير مقيم بوقف كارنيجي للسلم العالمي. خدم في مكتب وزير الخارجية لتخطيط السياسات من 2005 إلى 2015.