القمة الثقافية العربية بين الحلم والواقع

د. عبدالعاطى محمد –

لأن الحال لم يكن مرضيا لأحد في ظل المشهد المأساوي الذي آل إليه الوضع العربي ولم يكن مفيدا توجيه الاتهام لطرف دون غيره سواء كان المثقفون أم السياسيون، أصبحت الحاجة إلى نهضة ثقافية جادة مطلبا عاما مهما كانت قوة الخلافات السائدة.

تكررت الدعوات لعقد قمة ثقافية عربية إدراكا لتأثير الثقافة المتزايد على الأوضاع السياسية وطنية كانت أم دولية، خصوصا في ظل التحولات الصاخبة التي تمر بها المنطقة العربية على مدى العقد الأخير. ومن وقت لآخر يتداول المعنيون بالثقافة الفكرة بحثا عن مشروع ثقافي عربي لا ينفي الخصوصية ولكنه يكون بمثابة إطار يحدد القيم التي يبدأ منها العرب مجددا للحاق بالعصر وتحقيق التقدم والتخلص من الأمراض التي أصابت الجسد العربي ومنها التطرف والإرهاب والفتن المذهبية.
الدعوة محل تقدير بكل تأكيد، فما من عربي مخلص لوطنه وأمته إلا ويؤمن إيمانا راسخا أن الحال الثقافي تداعى إلى التدهور منذ سنوات طويلة ووصل ذروته مع أحداث 2011 وما بعدها وأن هذا الحال لا يليق بأمة اعتزت عقودا طويلة بثقافتها ومثقفيها وباهت بهم الأمم الأخرى، وأن استمراره كارثة قومية لا تقل في خطورتها عما أصاب هذه الأمة من كوارث سياسية واقتصادية وأمنية.
ومن يعود بالذاكرة عشرين عاما مضت على سبيل المثال لا الحصر يلمس بوضوح النقاش الذي ساد المنطقة حول محور الثقافة من حيث كيفية النهوض بها وجعلها رافدا قويا تنهل منه السياسة وهى تسعى إلى الارتقاء بالوضع العربي العام وبالوطني الخاص، والعارفون بقضايا الثقافة هم أكثر الناس إدراكا لهذا النقاش وما أثاره من جدل، بينما العامة من الناس ظلوا يتأسفون على ماضيهم العظيم الذي توارى مع تدهور القيم الأخلاقية والجمود الفكري والتعصب والتطرف وصولا إلى كارثة الإرهاب. ووسط هذا المناخ عاش المثقفون حالة من الحيرة والصدمة والعجز عن استعادة اللحمة الثقافية القادرة على صد كل ما جرى من مظاهر التدهور السالف الإشارة إليها، بينما انشغل السياسيون بمسائل التوصل إلى القرارات السياسية التي تنقذ الأمة من تداعيات هذه المظاهر ولم ينجحوا لأسباب لم تعد خافية على الرأي العام لا جدوى من تكرار الإشارة إليها.
ولأن الحال لم يكن مرضيا لأحد في ظل المشهد المأساوي الذي آل إليه الوضع العربي ولم يكن مفيدا توجيه الاتهام لطرف دون غيره سواء كان المثقفون أم السياسيون، أصبحت الحاجة إلى نهضة ثقافية جادة مطلبا عاما مهما كانت قوة الخلافات السائدة، وذلك بالطبع توازيا مع نهضة سياسية تجمع ولا تفرق وتمتلك العزيمة القوية على وضع نهاية للتردي العربي. وجاءت المبادرة من المعنيين مباشرة بالحالة الثقافية أي من المثقفين أنفسهم ثم تلقفها السياسيون على مستوى القيادة لدعمها وتوفير سبل النجاح لها. وقبل نحو عشر سنوات دعا المفكر المصري د. مصطفي الفقي الذي يشغل الآن رئاسة مكتبة الإسكندرية إلى عقد قمة عربية ثقافية، وكان ذلك في أحد مؤتمرات مؤسسة الفكر العربي ببيروت. ولم تجد الدعوة آذانا صاغية لسنوات برغم أن الرجل لم يتوقف عن الدعوة لهذه القمة، إلى أن عقدت قمة سرت بليبيا العام 2010 أي قبل عام من اندلاع ما يعرف بثورات الربيع العربي، حيث تبنت هذه القمة الفكرة ودعت إلى تجسيدها على أرض الواقع. ومرة أخرى لم تجد الدعوة اهتماما ربما لأن الأنظمة العربية انشغلت بمواجهة الأحداث العاصفة التي سببتها هذه الثورات وكانت ليبيا أحد ضحاياها.
واحتاج الأمر 8 سنوات أخرى لكي تجد الفكرة اهتماما من الأنظمة العربية! وذلك عندما أوصت القمة العربية الـ 29 والتي عقدت في الظهران بالمملكة العربية السعودية في أبريل 2018 بضرورة عقد قمة عربية ثقافية تسهم في دفع عجلة الثقافة والتنوير وتذكى القيم العلمية والأخلاقية أملا في اللحاق بركب النهضة الذي طال تخلف العرب عنه بفعل الصراعات والحروب (هكذا قال البيان الختامي لقمة الظهران). وليس من المستبعد أن يتكرر التأكيد على هذه الدعوة أو يجري الاتفاق على آليات تفعيلها في القمة العربية الـ 30 والتي تستضيفها تونس مارس 2019 وفقا لما أفادت به الأنباء حتى كتابة هذه السطور.
وقبل أن ينتهي العام 2018 كانت الفكرة موضع اهتمام شديد من جانب مكتبة الإسكندرية ضمن ختام اجتماعاتها السنوية التي اعتادت أن تتضمن تقريرا مفصلا عن نشاطات العام المنصرم. وفي اجتماع مكتبة الإسكندرية جرى نقاش موسع حول ذات الفكرة ليس عن ضرورتها فهذا أمر مسلم به بوصفه توصية من قمة عربية كما أنها من الأصل إحدى أفكار د. الفقي كما سبق التوضيح، وإنما حول مدى استقلالية هذه القمة، هل بالضرورة تكون من مسؤولية الأنظمة العربية مدعومة بقرار من قادتها أم أن تكون شعبية بمعنى أن يقوم بها المثقفون وحدهم بعيدا عن الاعتبارات السياسية، وكذلك لم يتفق المشاركون على القيم التي يجب البدء بها كقاطرة تجر الثقافة العربية وهي تقوم بمهمة إنقاذ المنطقة العربية من التخلف والتطرف وتقودها إلى التنوير الذي غاب عنها طويلا، هل بالعدالة أم المساواة أم العقلانية أم الحرية؟ كانت الأكثرية مع قيمة الحرية وفقا لما كتبته د. نيفين مسعد أحد المشاركين البارزين في جريدة الأهرام المصرية. وتابع الموضوع في نفس الجريدة د. أحمد يوسف أحمد أحد أبرز أساتذة العلوم السياسية المشاركين في اجتماع الإسكندرية بمقال جاء فيه أنه من الأفضل أن تكون القمة مستقلة عن النظم العربية وأن تقدم رؤيتها للقادة العرب ليأخذوا بها أو لا يأخذوا، أي أنه يريد قمتين إحداهما تسبق الأخرى هي القمة الثقافية العربية غير الرسمية والثانية هي القمة الرسمية!.
تأخر الدعوة لعقد قمة ثقافية عربية ثم الحماسة لعقدها بعد فارق زمني طويل ووجود جدل بين المثقفين حول مدى استقلاليتها والقيم التي يمكن البدء بها لتحقيق الهدف الذي أشارت إليه قمة الظهران، يعني أشياء كثيرة بعضها يتعلق بحال المثقفين العرب خصوصا في الزمن الراهن وليس البعيد لأن الفارق بينها كبير وبعضها يتعلق بالأنظمة العربية من جهة أنها هي الطرف الذي يستطيع عمليا أن يحقق الغرض لأنه هو الذي يمول ويفرض الالتزام ومن جهة أخرى الإقرار بوجود فجوة عدم ثقة بين المثقفين والأنظمة العربية. المثقفون باعتبارهم الفئة من الشعوب العربية التي تمتلك قدرا عاليا من المعرفة بشؤون الحياة ولديهم القدرة على طرح رؤية للحياة يعانى الكثير منهم، وليس كلهم حتى لا نعمم خاصة وأن هناك مثقفين قابضين على قيمتهم ودورهم كالقابض على الجمر، يعانون منذ زمن ليس بالقصير من مشكلات أبعدتهم عن دورهم في إحداث التغيير المنشود لنقل المجتمعات العربية من التخلف إلى التقدم. جانب كبير منهم أصبحت الثقافة بالنسبة له مصدر رزق فغرق في جانب التبرير، ولم يعد له دور كفاحي الذي يعد من لوازم دور المثقف وجانب آخر اختار جانب الموالاة ولم يعد مستقلا وجانب ثالث تقمص دور «الكهنة» حيث ينظر لما يقوله على أنه الحقيقة المطلقة التي يتعين على الجميع القبول بها دون مناقشة. وجانب رابع هو مثقفو شبكات التواصل الاجتماعي الذين يتسمون بالسطحية والتحريض. من هذه الزاوية هناك فوارق شاسعة بين مثقفي الوقت المعاصر ومثقفي مرحلة الاستقلال الوطني. وفيما يتعلق بالأنظمة فإن بعضها تخلى عن لغة الحوار والتوافق وعدم التدخل في شؤون الآخرين مما أحدث انقساما لا ينكره أحد ينعكس سلبا بالتأكيد على العمل العربي المشترك الذي هو بالطبع من ضرورات إنجاح المشروع المرتجى لنهضة ثقافية من خلال قمة عربية لهذا الغرض، وليس خافيا في ظل هذا الوضع الانقسامي أن تكون هناك أطراف عربية بعينها تريد أن تكون لها الكلمة في وضع هذا المشروع الثقافي بينما لا يتفق معها بالضرورة الآخرون.
قلنا من البداية إن الدعوة حميدة ويجب أن يرحب بها الجميع ولكن ملابسات تفعيلها على أرض الواقع تشير إلى وجود عقبات أو عثرات كما وضح من السطور السابقة من شأنها أن لا تحقق الهدف المرجو منها، ولذلك فإن التريث في التعامل مع نقل الفكرة من حيز الواقع الشائك إلى حيز الحلم والأمل ضرورة ويحتاج إلى مزيد من عقد اللقاءات سواء على مستوى المثقفين ذوي السيرة الذاتية المقدرة أو المؤسسات المهتمة بالموضوع أهلية كانت أم رسمية أو لقاءات مشتركة من الجانبين لتوفير فرص النجاح على أرض الواقع، وليس التنظير فقط داخل الغرف المغلقة. وواقع الحال يقول أنه يصعب أن ينفرد طرف دون آخر بالقضية بمعنى أن الطرفين: المثقفين والأنظمة السياسية والمؤسسات الأهلية المعنية في حاجة لبعضهم البعض ولن يتم النجاح إلا بالتوافق الصادق بينهم جميعا ولهم أن يختاروا الطريقة التي تحقق هذا التوافق.