موازنـــــة 2019 بين الواقع والطموح«2-1»

سالم بن سيف العبدلي/ كاتب ومحلل اقتصادي –

جرت العادة أن يتم اعتماد الموازنة الجديدة للدولة مع بداية السنة الميلادية بصدور أول مرسوم السلطاني في ذلك العام وتعتبر الموازنة الوسيلة التي تستخدمها الدول وتعتمد عليها في تسيير كافة أمورها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية فهي بمثابة المحرك الأساسي للتنمية والتطوير حيث يتم من خلالها مقابلة الاحتياجات الضرورية خلال السنة المالية.
والموازنة تبنى على بندين رئيسيين وهما العائدات (الإيرادات) والمصروفات (الإنفاق) والتي من خلالها يظهر مؤشر الوضع الاقتصادي والمالي للدولة فإذا زادت الإيرادات فسوف يكون هناك فائض في الموازنة أما إذا تخطت المصروفات الإيرادات المتحصل عليها فسوف يكون هناك عجز ينبغي تغطيته من مصادر أخرى .
في الدول الريعية والتي تعتمد على مصدر يتيم للدخل كالسلطنة والدول النفطية الأخرى فإنه عادة ما يكون اقتصادها عرضة للانكماش عند انخفاض العائدات من هذا المصدر وهذا فعلا ما حصل خلال السنوات الأخيرة عندما انخفضت أسعار النفط بنسب كبيرة وغير متوقعة حيث وصل سعر البرميل الى أقل من 30 دولارا في عام 2016 وبالتالي تأثرت ميزانيات دول الخليج بما فيها السلطنة ومنذ بداية الخطة الخمسية التاسعة فإن أسعار النفط لم تتعاف وان كان عام 2018 شهد بعض الارتفاع إلا انه ما زالت الأسعار متذبذبة ودون المستوى.
الأزمة المالية الحالية هي بمثابة اختبار ودرس للجميع ينبغي الاستفادة من تبعاتها خلال الفترة القادمة وإن كنا لم نتعلم من دروس الماضي ومن الأزمات الاقتصادية السابقة التي مرت بها السلطنة في أواخر الثمانينات وتكررت في أواخر التسعينات من القرن الماضي إلا أن هذه الأزمة كفيلة بأن نقف عندها ونستفيد منها لأجل إعادة ترتيب أوراقنا فاعتمادنا على مصدر وحيد للدخل جعل اقتصادنا الوطني في وضع حرج للغاية .
صدر المرسوم السلطاني رقم (1/‏‏‏2019) بشأن التصديق على الميزانية العامة للدولة للسنة المالية 2019 في موعده وبدون تأخير كما هي العادة في كل عام وحسب بيان وزارة المالية فإن جملة الإيرادات المقدرة للموازنة العامة للدولة لعام 2019 بلغت نحو(10.1) مليار ريال عماني بينما كانت في عام 2018 (9) مليارات و(500) مليون ريال عماني، وقد تم احتسابها على أساس سعر النفط (58) دولارا للبرميل بزيادة قدرها (8) دولارات عن تقديرات العام المنصرم.
قدر إجمالي الإنفاق العام بنحو (12.9) بينما كان في عام الماضي 2018 (12) مليارًا و(500) مليون ريال عماني أي بزيادة قدرها (400) مليون ريال عماني وهنا المؤشر ينبغي أن نتوقف عنده قليلا حيث إن المعادلة التي توازن بين الإيرادات والمصروفات تميل كفتها نحو الإنفاق مما يعني ان هذا العام أيضا لن يكون سهلا فمن المتوقع أن يستمر ويتراكم العجز والذي يقدر بنحو (2.8) مليارات ريال عماني إضافة الى العجز المتراكم من مصروفات العام المنصرم وما قبله .
صحيح ان العجز يتناقص منذ عام 2016 إلا انه ما زال كبيرا خاصة إذا ما تم احتساب خدمة الدين والتي تزداد عاما بعد عام فالقروض التي تأخذها الحكومة من الخارج تكلف مليارات الريالات لأنها تضطر الى دفع فوائد على هذه الديون المتراكمة ، ناهيك عن تجاوز المصروفات الفعلية لعام 2018 عن المصروفات المقدرة بنسبة 6% بسبب ارتفاع المصروفات الإنمائية للمشاريع ومصروفات عدد من وحدات الجهاز الإداري للدولة لتغطية احتياجات ضرورية وملحة وارتفاع مصروفات دعم قطاع الكهرباء وخدمة الدين العام حسب بيان وزارة المالية.
البيان أشار الى أنه سيتم تمويل نسبة 86 بالمائة من العجز المقدر في موازنة عام 2019 أي بمبلغ 2.4 مليار ريال عُماني من خلال الاقتراض الخارجي والمحلي بينما سيتم تمويل باقي العجز والمقدر بنحو 400 مليون ريال عُماني من خلال السحب من الاحتياطيات وهذا نفس ما تم اتخاذه من إجراء العام الماضي، لا نود الخوض في تفاصيل الموازنة هنا ومن أراد التفاصيل فهي متاحة في شبكة المعلومات العالمية وفي موقع وزارة المالية وتم نشرها في الصحف المحلية ما يهمنا هنا هو التركيز على بعض النقاط الهامة والتي ينبغي أخذها بعين الاعتبار على المدى المتوسط والطويل للمحافظة على مسيرة التنمية ومن اجل تعزيز موازنة السلطنة خلال السنوات القادمة .
في المقال القادم سوف نعرج على بعض النقاط المهمة والتي نتمنى أخذها بعين الاعتبار لكي نستطيع الخروج من دوامة العجز المستمر ونحقق فوائض على الأقل في الأمد المتوسط والبعيد وهذا ممكنا جدا إذا ما توفرت الإرادة القوية والعزيمة والتخطيط السليم خاصة وأننا نملك وسائل كثيرة ومزايا عديدة إذا ما احسنا استغلالها يمكن ان تسهم في التنويع الاقتصادي وان تبعدنا عن رحمة النفط الذي سيطر على اقتصادنا لسنين طويلة فكونوا على الموعد.