أثرياء العالم أقلية صغيرة

حيدر بن عبدالرضا اللواتي –
haiderdawood@hotmail.com –

هناك العديد من الأسماء التي ترد إلينا عبر وسائل الإعلام عن وجود عدد كبير من الأثرياء في العالم، مع أن بعض هؤلاء الأشخاص لم يأتوا من عائلات ثرية أو غنية، وإنما حققوا هذه الثروات من خلال ابتكاراتهم واختراعاتهم واتباعهم أساليب غير تقليدية في عالم التجديد والإنتاج التقني، فيما تنسب للآخرين هذه الثروات بسبب أساليبهم الملتوية وسرقاتهم الشعوب. ولكن ما نود إثارته هنا هو أن هناك أقلية من الأثرياء في العالم أصبحوا يمتلكون ثلاثة أضعاف ثروات العالم، بسبب تحكمهم وسيطرتهم على ثروات الشعوب. فمنظمة «أوكسفام» البريطانية غير الحكومية التي تهتم بهذه القضايا أشارت في بياناتها الأخيرة إلى الهوة بين أغنى أثرياء العالم والفقراء مؤكدة أنها في اتساع مستمر بسبب تَمكُن تلك الأقلية الصغيرة من الامتلاك والتحكم في ثروات العالم.
الأرقام التي أوردتها هذه المنظمة قبل عام مضى تشير إلى أن 82% من الثروات التي تحققت في عام 2017 تدفقت على أكثر سكان العالم ثراء والذين تصل نسبتهم 1% تقريبا، فيما لم يشهد أكثر من نصف فقراء العالم أي زيادة تذكر في مواردهم المالية، مؤكدة في تقريرها أن هذه الأرقام تعكس فشل النظام الاقتصادي العالمي. وهناك العديد من الأسباب التي تؤدي إلى هذا الخلل وفق رؤية المنظمة متمثلة في التهرب الضريبي من عائدات المساهمين والمسؤولين التنفيذيين لهؤلاء الأثرياء من جهة، وبسبب وعدم وجود ضمان لحد أدنى من الأجور للعمال من جهة أخرى، الأمر الذي يؤدي إلى عدم حدوث أي تغيير في حياة الفقراء. ففي عام 2017 تعادلت ثروة 8 من أغنى أثرياء العالم ثروة نصف الفقراء في العالم تقريبا، الأمر الذي يؤكد الخلل الكبير في النظام الاقتصادي العالمي. ونظرا لدخول عدد جديد من هؤلاء الأغنياء في القائمة في خلال الفترة الماضية، فقد أكدت المنظمة أن ثروة 61 من أغنى الأغنياء تعادل اليوم ثروة نصف الفقراء في العالم، مع اتساع رقعة اللامساواة بين الأغنياء والفقراء. وهذا الأمر أصبح غير مقبول بين سكان العالم الذي يبلغ عددهم اليوم أكثر من 7.6 مليار نسمة وفق بيانات الأمم المتحدة حيث من المتوقع أن يرتفع العدد إلى 9.8 مليارات نسمة في عام 2050، وإلى 11.2 مليار نسمة في 2100.
ورغم أن الفقراء والطبقة المتوسطة تحاول جمع المال من خلال الحفاظ على مدخراتهم في بعض الأوراق المالية والعقار وغيرها من وسائل الادخار المتاحة، إلا أن الأساليب التي يستخدمها الأثرياء في معاملات التداول وفي الأسواق ، بجانب الحروب التجارية المشتعلة في العالم تبخّر جميع هذه الأصول، وتصبح في نهاية المطاف من حصة الأثرياء الأغنياء. وهذا الوضع الحالي لا يطمئن كثيرا أصحاب هذه الطبقة وعامة الفقراء، فيما نجد أن بيانات البنك الدولي غير مرضية في وجود سماء مظلمة للاقتصاد العالمي خلال السنوات المقبلة، حيث يتوقع بأن ينمو الاقتصاد العالمي بنسبة 2.9% و2.8% على التوالي خلال العام الحالي والمقبل، بعدما كان ينمو بنسبة تزيد عن 5% خلال السنوات الماضية. ومما لاشك فيه فإن هذه التوقعات تزيد من المخاوف، في الوقت الذي يؤثر ارتفاع وتيرة الحروب التجارية الأمريكية الصينية سلبا على الاقتصاد العالمي باعتبارهما من أكبر الاقتصادات على هذا الكوكب. فالحمائية تزيد من متاعب الدول، وبالتالي تقلل فرص العمل والاشغال، وتزيد نسب البطالة والفقر في العالم.
نحن نعيش في عصر يسيطر فيه 1% من سكان كوكب الأرض على ثروات العالم، حيث تتركز تلك الثروات واقتصاداتها في أيديهم، الأمر الذي يؤدي إلى اتساع الفارق بين الغني والفقير، وبالتالي تتضاءل الطبقة الوسطى في العالم. فهؤلاء الأغنياء من تتكون منهم الأحزاب السياسية يتحكمون في المؤسسات التعليمية والعلمية والاجتماعية، والسياسات الخارجية بجانب السيطرة على الموارد الطبيعية والغذاء والاقتصادات الوطنية وبيوت ووسائل الإعلام، وحتى المنظمات الإرهابية التي تستولي على الأموال والأنفس بالقهر والسلب.
وعالم الإعلام والترويج يضج بأسماء هؤلاء الأشخاص ممن جمع تلك الثروات في العالم سواء من خلال ورثته أو نتيجة لابتكاراته واختراعاته ومواهبه أو من خلال استمراره في سرقته لأموال الحكومات أو المواطنين. فقد أصدرت مجلة فوربس الأمريكية مؤخرا قائمة بأغنى أغنياء العالم لعام 2018 حيث ضمت هذه القائمة الحديثة أكثر من 2200 شخص لديهم مليارديرات من الدولارات في حساباتهم من واقع مجموع 7.6 مليار شخص في العالم، حيث احتل مؤسس ومدير شركة أمازون للتجارة الإلكترونية جيف بيزوس المرتبة الأولى، إذ بلغت ثروته 112 مليار دولار، مقارنة بـ 39.2 مليار دولار العام 2017، أي أنه كسب خلال عام واحد ما يزيد على 72 مليار دولار في العمل التجاري، وهذا مبلغ يساوي إيرادات عدة دول فقيرة في العالم. وهناك العديد من أمثال هؤلاء الأشخاص بجانب بعض الأغنياء العرب التي تتراوح ثرواتهم ما بين 30 إلى أكثر من مليار دولار. ويرى بعض الخبراء أن أشخاصا معينين في العالم حققوا الثروات نتيجة لوجودهم في المكان المناسب وفي الوقت المناسب، بجانب مواهبهم الفريدة ومثابرتهم المستمرة في العملية الإنتاجية، بجانب استخدام بعضهم لوسائل غسيل الأموال والتهريب من الضرائب ليصلوا إلى قائمة أغنى أغنياء العالم.
إن بعض الأغنياء اليوم في العالم وخاصة في أمريكا وأوروبا هم الذين يسيطرون على الثروة والسلطة والمال والإعلام في العالم، وهم الذين يقررون متى تسقط أسواق الأوراق المالية أو ترتفع، وكيف يمكن نهب ثروات الدول ومواردها سواء بطرق القوة أو الشدة، وما الذي يجب فعله لإسقاط نظام سياسي في دولة آمنة، وكيفية إحداث حروب بين الدول، وما الذي يجب أن يحدث أو يقال في أروقة الأمم المتحدة ومنظماتها، أي أنهم يسيطرون على مصير الكثير من الشعوب والحكومات وأسعار السلع والمنتجات وغيرها.
إن وجود عائلات كبيرة تسيطر على قطاعات ضخمة من اقتصاد العالم تظل حقيقة لا غبار عليها وفق آراء الخبراء في هذا الصدد، وأنه بمرور الوقت سوف تتركز مزيد من الثروة بالفعل في يد شريحة يضيق نطاقها تدريجيًا، في مقابل تقليص مساحة الطبقة الوسطى. أي أن هذه القلة القليلة سوف تستولي على معظم ثروات الشعوب في العالم.
فعندما تقول منظمة «أوكسفام» البريطانية أن ثروة 1% من أغنى أثرياء العالم تفوق ثروات بقية العالم مجتمعة، فهذا الكلام ليس عليه غبار في ظل وجود عدم المساواة في امتلاك ثروات العالم. وبيانات اوكسفام تؤكد بأن هناك جماعات ضغط تعمل على تهريب مبالغ ضخمة فيما يعرف بالملاذات الضريبية، وهذا يعني أن هناك تكتلا في تمركز الثروات لدى البعض، الأمر الذي يؤثر على الأجور بين العمال وأرباب العمل في العالم، وعلى أسعار الأدوية وغيرها من السلع الضرورية الأخرى.
وما يحصل في العالم غير مستبعد حدوثه في الدول العربية، حيث إن هناك أشخاصا هدفهم السيطرة على المؤسسات والشركات والأموال وغيرها من الثروات الأخرى، وهذا بالتالي سوف يؤدي إلى تراجع فرص الاستثمارات، وتزايد نسب البطالة وأعداد الباحثين عن العمل وانتشار الفقر بين أبناء تلك الدول، الأمر الذي يتطلب من الحكومات العربية وضع السياسات البناءة وإنهاء الممارسات التي تفتقر إلى الأخلاق مع العمل على وضع الخطط اللازمة للإصلاح الاقتصادي.