نوافذ :الـ «طبطبة».. هل تشعرك بالاطمئنان؟

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –

عندما كنا صغارا، كنا نتقاتل على رضى أحد الوالدين، ومن يحظى بـ «طبطبة» على الكتف، فقد حكم زمام التميز، هذه الصورة التصالحية مع الآخر نقرأها في كثير من المواقف التي تقترب منها المشاعر الوجدانية كثيرا، وإلى حد الانصهار بين أي طرفين تنشأ بينهما لغة تخاطب من هذا النوع، ولذلك تعد الـ «طبطبة» وسيلة فعالة لجريان هذه المشاعر بين الطرفين، وتعد كذلك حوار صامت قائم مقبول اجتماعية، ومرحب به ثنائيا، وإن تعددت الـ «طبطبات» أكثر من مرة في اليوم، وإن عدت الـ «طبطبة» رمزا للتعالي، كما قرأت في بعض المواقف، ومفهوم الـ «طبطبة» يقترب كثيرا من مفهوم «ربت على كتفه» وإن كان الأخير ربما أكثر قربا في الحميمية من الأول، فالأم؛ على سبيل المثال؛ عندما تريد لطفلها أن ينام تقوم بـ «التربيت» على جانبي جسم الطفل، وهو الضرب الخفيف ببطن اليد، حتى يسلم الطفل نفسه للنوم، حيث يقترب كلا الكلمتين كثيرا من نفس المفهوم.
يذهب بنا مفهوم الـ «طبطبة» إلى أبعد من ذلك، فالمسألة ليست مقتصرة على حدودها الأسرية، فقد تتوسع الى محيط المجتمع، فهناك أناس كثيرون يطبطبون على أكتاف آخرين ليشعرونهم بنوع من الاطمئنان، وقد يتوسع المفهوم أكثر على مستوى الدول، فهناك دول «تطبطب» على أكتاف دول أخرى لإشعارها بالاطمئنان أيضا، ربما يقول قائل: أوليس هناك وسيلة أخرى غير الـ «طبطبة» لإشاعة الاطمئنان على الامتداد الأفقي لهذا الوجود؟ والإجابة: بلى؛ ولكن؛ تبقى الـ «طبطبة» لها مفعول السحر لأنها تشعر المطبطب على كتفه بالقربى، وبالحميمية، وقد يشعر بصدق الشعور، حيث ينزف القلب من شدة التفاعل، ولو أن الـ «طبطبة» قد تأخذ مسارا غير حميد في بعض المواقف، وقد يفهم منها التعالي، فـ «المطبطب» غالبا هو من يكون الأكبر، سواء الأكبر في السن، أو في المقام، أو في المسؤولية، أو في الوجاهة، ويبقى المطبطب عليه في المقام الأدنى، فلا يعقل مثلا أن يطبطب الولد على كتف أبيه ليشعره بالأمان وبالامتنان، فهذا غير مقبول أصلا، فضل أن يجرؤ الولد الى هذا السلوك مع أحد أبويه، مهما بلغت درجة التفاعل بين الطرفين مبلغها الحميمي، وما ينطبق على صورة الولد مع أبويه، أو أحدهما تكون المقاربة ذاتها في كل الأمثلة الي جاءت أعلاه.
ومع ذلك تبقى لـ «الطبطبة» ضريبتها، فمن «يطبطب» عليك المرة الأولى، والثانية فعليك أن تعيد حساباتك جيدا، وأن تقرأ ما تحت السطور، فقانون الحياة؛ في كثير من مظانه؛ يتجاوز الدعاية المجانية، ويذهب سريعا الى «المقابل» وهذا المقابل تحدده مصلحة الـ «مطبطب» فإن كانت سهل تحقيقها فالطبطبات تظل قليلة ومتفاوتة، وإن كان تأخذ جانب التعقيد، وستلتزم المحاولة تلوى الأخرى، فإن ذلك يستدعي كثيرا من ممارسة الـ «طبطبة» وكان الله في عون من تنتزع منه حقوقه بلا «طبطبات» وفي الحياة مواقف كثيرة من هذا النوع.
تأتي رمزية التعالي للطبطبة لتقوض مفهوم الحميمية الاجتماعية، حيث يظل هناك دائن مستقوي بإمكانياته يوزع طبطبتاها وفق تحقيق مصالحه المختلفة، ومدين واقع تحت تأثير هذا التعالي، يتلقى المأزق الناشئ بين المفهوم الاجتماعي لـ «الطبطبة» وبين مضاده الذاهب إلى الاستعلاء، والاستقواء، وأخطر هذه الصورة في واقع الحياة الواقع تحت الاجتياح السياسي، لأن السياسة؛ كما هو معلوم؛ لا تركن إلا إلى المصلحة، ولا تحفل كثيرا بالسياقات الاجتماعية والحميمية، كما هو واقع المجتمعات البسيطة، وفي كل الأحوال لم تعد مثل هذه الممارسات اليوم موضع استحسان، فالمشروع المادي مستحوذ على اهتمام الناس إلى درجة نسيان مغذيات الذات الاجتماعية، وهذه في حد ذاتها خطورة.