ظروف جديدة دفعت بقرار «الزواج» إلى ذيل سلّم الأولويات

متطلباته تحولت بمرور الوقت من البساطة إلى التعقيد –

كتب ـ أكرم العبري –

تتغير طبيعة المجتمعات بمرور الزمن وتتغير معها أولويات حياة أفراد المجتمع، وككل المجتمعات تغيرت أولويات أفراد المجتمع العماني بين الماضي والحاضر، وهذا يعود لمسببات وعوامل عدة كانت سببا وراء هذه التغيرات في تحديد الأولويات بالنسبة للأفراد، ويعد ظاهرة تغير عادة الإقبال على الزواج واحدة من هذه التغيرات الاجتماعية الملحوظة في الآونة الأخيرة، ومن هذا الجانب جاءت فكرة هذا الاستطلاع لمعرفة الأسباب التي قادت إلى تغيير واقع الإقبال على الزواج وتأخرها عن موعدها المحدد بالنسبة للكثير من الشباب العماني .
يقول د. حمود بن خميس النوفلي أستاذ العمل الاجتماعي المساعد بجامعة السلطان قابوس:« من الطبيعي أن يكون هناك تغير في كل مجتمع ويعود ذلك الأمر لمسببات عدة بعضها مادية وبعضها ثقافية والبعض الآخر يختص بنمو المستوى المعرفي لدى الأفراد، وفي السابق كان الاهتمام بالزواج يمثل أولوية بالنسبة للشباب العماني، ويعود ذلك إلى وجود نظام الأسرة الممتدة وانعدام الغلاء في متطلبات المعيشة وهذا ما يمكن الشباب من الزواج في سن مبكر، أما الآن فقد تغيرت النظرة وأصبح من الضروري أن يكون الفرد مستقلا، وأن يكون لديه عمل يحصل من خلاله على ما يعنيه على الحياة، لأن هناك متطلبات كثيرة للزواج فأصبحت الأولويات تتمثل في الدراسة ثم العمل ثم الزواج، وقد تغيرت النظرة في السنين الأخيرة حول رغبة حديثي الزواج بالاستقلال بمنزل خاص، فان هذا الأمر زاد أيضا من تأخر سن الزواج لدى كلا الجنسين وقد انعكس ذلك بالسلب على عدد من حالات الزواج.

ليست حصراً !

بدوره يقول الدكتور محمد بيومي أستاذ مساعد بعلم الاجتماع بجامعة السلطان قابوس عن هذه الظاهرة :« إن هذه التغيرات ليست حصرا على الشعب العماني وإنما هي تغيرات حادثة على مستوى العالم، فالتغيرات العالمية على المستوى الثقافي والاقتصادي وعلى مستوى العمل والتوظيف مع وجود تكنولوجيا المعلومات لعبت دوراً في تغيير الأولويات والقيم، حيث كان في الماضي يعتبر الزواج من الأولويات، لكنه اليوم أصبح في آخر سلم الأولويات وهذا يرجع إلى ثورة المعلومات والاتصالات، وعلى المستوى المحلي فإن المجتمع العماني يواكب التطورات العالمية مع المحافظة على الهوية، ولكن الطبيعي في أي مجتمع هو التغير فأصبحت أولوية الزواج متأخرة وذلك لأن الزواج قديما كان قائما على البساطة في جميع متطلبات الزواج ثم بعد ذلك دخلت الكثير من الفتيات في جهود اللحاق بقافلة التعليم ثم خرجت مع الرجل إلى ميادين العمل والمشاركة الفاعلة في بناء الأوطان وهذا حد من ظروف واقع الزواج المبكر لدى الكثيرين.

حياة بسيطة ومحدودة !

يقول سيف العبري معلم بمدرسة مصعب بن عمير:« في الماضي كانت جميع متطلبات الحياة بسيطة ومحدودة حيث كان الفرد يبدأ بالعمل منذ الصغر فيتعلم الفرد منذ الصغر إدارة المال وكانت ظروف الحياة شاقة ليجد الفرد نفسه في مواجهة الأعباء عصاميا منذ صغره، وبذلك يتقدم سن الزواج لديهم لتوفر المادة وبساطة المتطلبات في تلك الفترة، أما في الوقت الحالي فقد اختلفت أولويات الحياة إذ يقضي الأبناء حتى سن الثامنة عشرة في الدراسة المدرسية ثم بعد ذلك ينتقلون للدراسة الجامعية وهذا يجعل الفرد يعمل بعد سن الـ 24 عاما مما يؤخر سن الزواج.
أما كلثم الدرمكية وهي طالبة بجامعة السلطان قابوس فتقول:« إذا كانت أولويات الإنسان تتغير مع مرور الوقت والسن فلا عجب أن يكون الفارق شاسعا بين أولويات الأشخاص في الماضي والحاضر، فنجد سابقا أنه من المألوف أن يتزوج الشاب قبل حصوله على الوظيفة وعلى المرأة أن تتزوج تحت سن الـ 18 عاما، أما الآن فلابد للرجل أن يحظى بوظيفة أولا وأصبحت الأنثى تفضل إكمال دراستها وكل ذلك جاء بفعل عوامل متعددة كالنضج الفكري وارتفاع مستوى الوعي في البيئة المحيطة».

تغير الأولويات

ويبين أحمد العبري خريج بجامعة السلطان قابوس قائلا :« أتصور أن الأولويات تتغير من زمن إلى آخر حسب التغيرات التي تحدث في المجتمع، فالزواج مثلاً كان بسيطاً في الماضي ولا يتطلب الكثير من الجهد المالي والإنفاق على متطلباته، في حين أن الحاضر يلزم الزوج بالكثير من المتطلبات منها المهر وتكاليف الزواج والسفر وغيرها من الكماليات التي يعجز عنها الشاب، فيضطر أن يتزوج في سن متأخر لحين ادخار مبلغ مناسب لتكاليف الزواج، كما أن العمل في الماضي كان متوفرا ومتاحا للجميع وكلٌ حسب مؤهلاته ومقدرته، بيدَ أن الحاضر عكس ما كان عليه الحال، فالواقع اليوم أن الكثير من الشباب أصحاب المؤهلات والقدرات لا يجدون عمل يناسب مهاراتهم ومؤهلاتهم، وهذا ما يجعل البحث عن العمل ضرورة بالنسبة للشباب في هذا الزمن فهو مكمل لباقي الاحتياجات الأخرى كالزواج والبناء والمنزل وغيرها من متطلبات الحياة، ويكمل العبري قائلا :«أصبح إيجاد العمل ومصدر للرزق من الأولويات المهمة التي تسبق كل من الزواج أو بناء منزل، ومع تغير اقتصاديات العالم صار من المهم أيضا أن يفكر كل شاب بمشروعه الخاص الذي يعينه على إكمال باقي الأولويات».
وتختتم رقية الكندية طالبة بجامعة السلطان قابوس الحديث في هذا الجانب بالقول:« أتفق مع الرأي القائل إن الأولويات لدى الشخص في المجتمع العماني آخذة في التغيّر مع مرور الوقت حيث يأتي ذلك كردة فعل طبيعية للمرحلة الزمنية التي نمر بها، فظروف وطبيعة التغيرات خلَّفَت تغيرات مماثلة في الاهتمامات وأوجدت توجهات جديدة لم تكن موجودة سابقا، ممّا أثّر تباعا على ترتيب أولويات الفرد في المجتمع و الشاهد في الأمر أن الشاب اليوم بحاجة لإتمام دراسته، ثم إيجاد وظيفة، ثم يأتي موضوع الزواج في نهاية المطاف ويُشاطر ذلك الجنس الآخر الترتيب نفسه».