الأندلس وأوهام حروب الاسترداد

إميل أمين – كاتب مصري –

emileamen@gmail.com –

غطت التظاهرات والتصادمات التي جرت وتجري على الأراضي الفرنسية كافة الأخبار، ولم تترك الكثير للانتباه إلى إشكالية أخرى تولد على الأراضي الأوروبية وتصب في صالح اليمين المتطرف ذاك الذي يكاد يذهب بهدوء واستقرار الأوروبيين الذي دام لسبعة عقود أي منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية وحتى الساعة.
خيل للناظر للمشهد الأوروبي مؤخرا أن النسيج الاجتماعي لإسبانيا أقوى من أن يخترق من قبل اليمين القومي المتطرف، وذلك على العكس من غالبية الدول الأوروبية، لكنه فجأة انفجر وباغت كل المراقبين، وترك للمحللين البحث فيما جرى وأسبابه واستحقاقات ما هو آت.
إنه الأندلس ذلك الإقليم الذي يقع في جنوب إسبانيا والأكبر سكانا، وذو الوزن الكبير في السياسة الوطنية، وقد شهد قبل عدة ايام انتخابات البرلمان الخاصة به، ومن الأسف جاءت النتائج لتلقي بظلال من الخوف على المنحى الذي ستأخذه انتخابات برلمان إسبانيا في 2020.
للمرة الأولى منذ أكثر من ثلاثة عقود يخسر الاشتراكيون غالبية برلمان الأندلس، ويصعد أنصار اليمين سواء اليمين الشعبي الذي فاز بـ 26 مقعدا، أو الحزب اليميني البعيد في تطرفه والمعروف باسم “فوكس” الذي حاز 14 مقعدا وحوالي 400 ألف صوت ما سبب قولا وفعلا هزة سياسية حقيقية في أسبانيا.
يذهب المراقبون السياسيون في أوروبا إلى القول: إن نشوء وارتقاء اليمين الأوروبي في إسبانيا قد تأخر عن بقية دول القارة الماضية إلى المجهول، لكن حزب فوكس قرب المسافات واختصر الزمن، ويبدو أنه نجح في سعيه للوصول إلى العمال في ضواحي المدن والأرياف، ليخرج الغاضبين والثائرين تاريخيا وآنيا، فأنصاره يستدعون من الماضي فترات تلقي بظلال على الواقع، وميولهم لتعظيم الأحاديث عن إسقاط الحكم الإسلامي في القرن الخامس عشر من قبل مملكة قشتالة تعبر عن مكنونات صدورهم، كما أنهم لا يوفرون إظهار الحنين للفترة التي كانت فيها إسبانيا مملكة طاغية تستعمر القارة اللاتينية وتستجلب ثرواتها لأوروبا، وبالتبعية تبقى شهوات قلب “فوكس” ناحية المهاجرين وبخاصة القادمين من دول شمال القارة الإفريقية والمغرب العربي عنصرية قلبا وقالبا.
الوطنيون في عموم إسبانيا لم يقفوا مكتوفي الأيادي، فقد خرجوا إلى الشوارع للتظاهر اعتراضا على نتائج انتخابات الأندلس، لكنها الديمقراطية بآلياتها واستحقاقاتها، ولسان حالهم يتساءل أهي عودة مرة أخرى إلى الفاشية التي اعتبر الأسبان أنهم قبروها مع رحيل الديكتاتور الجنرال “فرانشيسكو فرانكو”؟ 
المخاوف من أن يكون مستقبل إسبانيا كذلك لها أسباب وجيهة، فحزب “فوكس” الذي وجه صفعة قاسية لرئيس الوزراء الاشتراكي “بيدرو سانشيز” يمضي في طريق ما أهو أكثر عنصرية من مكافحة الهجرة غير القانونية، إلى حظر الأحزاب الكاتالونية الاستقلالية من جهة، والتطلع لإلغاء الحكم الذاتي للأقاليم من جهة ثانية متذرعا بحجج التقشف في الميزانية والدفاع عن وحدة أسبانيا.
وكما هو متوقع سوف يطال مسلمي إسبانيا جانب غير قليل من مشاهد المد اليميني المتطرف، إذ يعتبر رجالات فوكس لا سيما رئيسه “سانتيا جو أباسكال” أن الوقت قد حان لإغلاق المساجد الأصولية واحتجاز وطرد الأئمة الذين يصفهم بالمتطرفين من إسبانيا، وفي تجمع شعبوي يميني تحدث مؤخرا بالقول: “على الدول العربية أخذ المهاجرين المسلمين الذين يفكرون بنفس عقليتها ويرغبون بفرض الشريعة الإسلامية”، ويضيف:” سيكون الوضع على ما يرام حينما يشكل عدد المسلمين في أوروبا 1%، خاصة انهم يشكلون الآن 50% في عموم القارة الأوروبية”.
تجد إسبانيا اليوم ذاتها بين تيارين متضادين، الأول هو اليسار التقليدي ومعه جماعة الحقوقيين وهؤلاء يرفضون سيرة ومسيرة فوكس، غير أن غالب أظن أن الحظ سوف يخلفهم ويوفي لأنصار اليمين المتطرف، أولئك الذين انهالت عليهم التهاني وكثرت على رؤوسهم التبريكات من قبل الأطراف المشابهة أوروبيا، وهو الأمر الذي يمكن للمرء أن يستوعبه في إطار الشعبويات الأوروبية اليمينية الجامحة في الأعوام الأخيرة.
غير أن ما لا يمكن قبوله عقلا أو نقلا هو أن أنصار اليمين الأمريكي الأشد تطرفا يسعون إلى دعم جهود اليمين الإسباني ليحقق انتصارات سياسية قادمة وبطعم الانتقام التاريخي إن جاز التعبير.
خذ إليك ما كتبه “ديفيد دوك“ المؤرخ الأمريكي العنصري المعروف، وأحد المسؤولين السابقين في جماعة الـ “كوكلكس كلان“ الأمريكية المغرقة في تطرفها عبر حسابه في تويتر، وما تحمله كلماته من إعادة بسط الأوهام على الواقع، وسكب الزيت على النار، وإشعال الحرائق في الصدور والعقول قبل الأراضي والممتلكات إذ يقول: ”فوكس ينتصر في الأندلس، 14 مقعدا ونهاية النظام الاشتراكي... إسبانيا الحية تصنع التاريخ وتؤكد إمكانية التغيير.. حرب الاسترداد تبدأ في الأندلس وستتوسع في كل أسبانيا“.
طريق “اباسكال وفوكس“ لا يختلف كثيرا عن سيرة ومسيرة مارين لوبان في فرنسا أو جيرت فيلدرز في هولندا، وبالطبع حزب البديل في ألمانيا، وفيكتور أوروبان في المجر، وحزب الحرية النمساوي، انه استيقاظ لوحش أوروبا اليمينية الذي توهم العالم انه مضى إلى غير رجعة مع اندحار الفاشية وانهزام النازية، لكن الأفكار لا تموت، ولهذا فإنه في مقدمة رغبات “اباسكال“ أضعاف الاتحاد الأوروبي وربما تفخيخه قبل تفكيكه.
“لست سعيدا بما يحدث داخل أوروبا“، هكذا تكلم “انطونيو تاجاني“ رئيس البرلمان الأوروبي مؤخرا، واضعا نصب عينيه ان انتخابات البرلمان الأوروبي في يوينو القادم يمكن ان تقود لسيطرة الشعبويين عليه، ليبقى الاتحاد أثرا بعد عين، قبل أن يبدأ فصل جديد من فصول أوروبا المحاربة والهاربة من النماء إلى الفناء ومن الوفاق إلى الفراق.
هل ما يجري في الأندلس منبتّ الصلة عن أحداث عنصرية أخرى في القارة الأوروبية؟ 
من أسف يمكن للمرء أن يتطلع إلى المشهد الأوروبي بشكل عام ليجد على سبيل المثال هولندا والأوضاع فيها من سيئ إلى أسوأ... كيف ذلك؟ 
عرف السياسي والبرلماني الهولندي “جيرت فيلدرز“ بمشاعره العدائية وبتصريحاته النارية المليئة بالتعصب والكراهية تجاه العالم الإسلامي منذ زمن بعيد، ورغم ان مكتب الإحصاء الرسمي لهولندا يبين أن 6% من سكان ذلك البلد الأوروبي من المسلمين، إلا أن فيلدرز يتخذ منهم لوحة للرماية باتهاماته العنصرية، ويبدي من خلالهم العداء الشديد، ويروج لإشكالية “أسلمة أوروبا “، تلك المنظومة التي تجعل الكثيرين من المواطنين الأوروبيين يتخذون مواقف متشددة، وتصل إلى حد العدائية تجاه مسلمي هولندا بشكل عام ومسلمي أوروبا والعالم بإجمالي المشهد.
آخر صيحات الكراهية عند فيلدرز كانت إعلانه الأسابيع الماضية نيته لإجراء مسابقة دولية حول رسوم كاريكاتورية حول شخص الرسول الكريم، في استنساخ قاتل ومجنون لما فعلته المجلة الكاريكاتورية الفرنسية “شارل ايبدو”، قبل بضعة أعوام، الأمر الذي جر على العالم موجات تسونامية هائلة من الكراهية سواء داخل أوروبا أو خارجها، كما تسببت في وقوع العديد من الحوادث الإرهابية كتبعات عنف رافضة لهذا النهج الفكري.
ورغم أن فيلدرز تراجع مؤخرا عن فكرته الشيطانية هذه إلا أن ذلك لا يعني أن الآثار الناجمة عنها قد تلاشت، فهو من جديد أوقد نار معركة أصولية أوروبية شديدة الوعورة والخطورة، وتؤثر تأثيرا جادا على مستقبل التعايش الإنساني الواحد داخل أوروبا وفيما يخص الهولنديين بنوع غير مسبوق.
لم تعد الإشكالية الأوروبية في واقع الأمر تخص فيلدرز المنتمي للتيار اليميني المتطرف، أو لحزب الحرية الأشد إغراقا في الكراهية والذي يترأسه، وقد أضحى ثاني اكبر أحزاب البلاد، وبات فيلدرز يتزعم المعارضة في بلاده، بل تجاوز المشهد إلى بقية بقاع وأصقاع أوروبا، وما شهدته بعض المدن الألمانية الأيام القليلة الماضية من مسيرات قدرت بعشرات الآلاف للنازيين الجدد، يؤكد على أن “فيلدرز” ومن لف لفه ذهنيا، يكتسبون يوما تلو الآخر أرضا جديدة على التراب الأوروبي.
يعزو البعض تصاعد المد اليميني الأوروبي إلى تيار الهجرة وجماعة اللاجئين الذين خلفتهم سنوات “الربيع العربي الكاذب”، ذاك الذي ضرب العالم العربي والإسلامي في السنوات السبع الماضية، ولا تزال آثاره الكارثية محدقة بالجميع، ومحلقة فوق رؤوسهم.
لكن الأوربيين لم يسائلوا أنفسهم عن تشجيعهم لتلك التيارات الإسلاموية، البعيدة كل البعد عن سماحة الإسلام، وكذا عن عدله وإنصافه مع الذات، وتجاه الآخر، وفضلوا الخيار اليسير، أي تعليق التبعات برمتها على أولئك اللاجئين الغاصبين الذين يريدون تحويل أوروبا عن مسارها اللاهوتي الطبيعي.
الذين يحاولون اليوم إيقاع الضر بمسلمي أوروبا بالقطع ليسوا بمسيحيين حقيقيين، فالمسيحية الحقة ديدنها المحبة وبذل الذات حتى النهاية من أجل الآخرين، ديانة شعارها..” من سخرك ميلا فأمشي معه ميلين، ومن طلب ثوبك فاعطه رداءك أيضاً”. أين الإشكالية إذن؟
واقع الأمر أننا أمام حالة من حالات “ثأر المجتمع العلماني” من أوروبا برمتها وفرنسا في القلب منها، ولعل أفضل من تحدث عن تلك الإشكالية من العقول الأوروبية الثائرة كان الفيلسوف الفرنسي “ريجيسى دوبرييه”، إذ يذكر في كتابه “الأنوار التي تعمي”، ما معناه أنه على الأوروبيين اليوم مراجعة أوراق العلمانية الجافة المسطحة، تلك التي تستبعد كل طرح ديني، في اتصاله مع الحياة الإنسانية، وكأن صيحة فصل الدين عن الدولة، يراد بها إنهاء الإيمان في قلب الإنسان.
الخلاصة... الكراهية لا تفيد... الحوار هو الحل.