الشرطة وخدمة الوطن والمجـتمع

تأمين الوطن والمواطن –

حمود بن عامر الصوافي –

الأمن مطلب وضرورة آنية لا يستغنى عنه، ولا يمكن أن يعيش المجتمع في منأى عنه؛ مهما حاول، أو قاوم، أو نافح أو نافس، أو قاتل، ستظل حياته صورة مقرفة مقززة مضطربة متخلخلة تنتابها الهموم والأوجاع، وتغزوها الأفكار والتقلبات بل يصبح الإنسان مشروع اغتيال أو هم وحزن طوال حياته ولو تتبعنا بعض مراحل الصراعات، وفقدان الأمن، وانتشار الجريمة وانعدام الراحة لرأينا العجب العجاب، ولهالتنا المصائب والموجعات التي مرت على تلك الأجيال.

فقد يصل الإنسان إلى أدنى الدركات، فيقدم على التخلص من نفسه والانتحار، وربما يتجه إلى صور بشعة أنكأ من ذلك وأشد جرما من العجماوات حينما تحدثه نفسه الأمارة بالسوء بأكل إخوته أو التهام أولاده أو القضاء على إخوانه وخلانه بسبب خوف من حاكم متغطرس أو تهديد من ماكر متكبر، أو شعور بأن حياته رهينة بقاء أناس وإعدام آخرين وهكذا دواليك يعيش الناس في رعب له ما بعده، وفي هلامية لا يدرون إلى أين ستوصلهم، يلبسون كل يوم وليلة أكفانهم ترقبا لأي طارئ أو خوفا من وحش ضار قادم.
فما هذه الحياة التي يعيشها هؤلاء؟ وهل يمكن أن تسمى حياة؟ فأين النعمة والضحكة والكلمات المعسولة والأخذ والعطاء؟ وأين التعارف والتداخل والتجانس والتآلف؟ لا ترى إلا الدم القاني والوجوه الشرسة والأحوال الغريبة؟ رائحة الدم والأجسام الممزقة والجثث المهترئة يمنة ويسرة أينما توجهت وأينما مضيت تجدها أمامك؟ أيعقل أن يتحول البشر إلى وحوش والناس الآمنون إلى ضحايا أشبه بالنعاج؟
إنه فقدان الأمن صورة تراود الرسامون، صورة مقززة تبدو عند انعدام الأمن وشيوع الفساد والجرائم وجعل الإنسان يبدو سبعا مفترسا أو نعجة لا تقوى على دفع الظلم عنها، أشبه بحياة الغابة بل أشد من ذلك بمرات فطغيان الإنسان لا يحده شيء بينما طغيان العجماوات لا يتعدى الحاجة والضرورة.
لذلك كان من منن الله تعالى على المسلمين وأهل الإسلام الأمن والرزق فهل يستطيع الإنسان أن يعيش دون غذاء؟ وهل يقدر أن يعيش في جو تشوبه صراعات وقتل ودماء واعتداءات فلا يجد المظلوم ناصرا، ولا يستطيع أخذ حقه بيده؟ صراع أشبه بصراع الغابات؛ القوي يتغلب على الضعيف، والكثرة تغلب القلة، وهلم جرا يقول الله تعالى ممتنا على قريش حيث أعطاهم الأمن والرزق: «لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ ، إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ ، فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ».
وضرب أيضا مثلا للقوم الذين أنكروا نعم الله تعالى، واستبدلوا بالنعمة كفرا وجحودا، فألبسهم الله تعالى لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون، قال تعالى: «وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ»، وذكرنا بأمم كقبيلة سبأ التي عتت عن أمر ربها، وأنكرت نعم الله تعالى، ورغبت في العنة والمشقة غرورا واستكبارا بما منَّ الله عليهم من نعم لدرجة أنهم طلبوا البعد والله تعالى قرّب لهم البعيد، والخوف والله تعالى أعطاهم الرزق والخيرات والسكون والاطمئنان، قال تعالى مصورا حالهم إبان النعمة وبعدها: «لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ، فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ، ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ، وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ، فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ».
فلا شك أن عاقبة ترك النعم وخيمة، وعدم شكرها أو الالتزام بنهج الله يعد أمرا خطيرا، فلا يأمن الإنسان على نفسه ومجتمعه من الأمراض والأدواء وانعدام الأمن وقلة الرزق فهي دول غنية بمواردها تصدر مزروعاتها للعالم، بين عشية وضحاها ينعدم فيها الأمن ويقل الرزق وتقضى على تلك المزروعات، وتستنجد بالعالم لنجدتها من الجوع والعطش وهي تعيش في برك مائية وأراض صالحة للزراعة ولكن ماذا يبقى للإنسان إن انعدم الأمن وحل الفساد والفوضى؟ حاله كحال القائل:
من لم يمت بالسيف مات بغيره ** تعددت الأسباب والموت واحد.

فلا يهم بأي صيغة أو أي طريقة يأتي الموت ما دامت الحياة لا تقدم نبضا ولا تبقي صديقا ولا تستمتع ببسمة؟ كل شيء ذهب في مهب الريح بين لحظة وانتباهتها.
فكل تقدم أو انطلاقة للأمام لا بد أن يصحبها أمن يساعد على تنمية المجتمع وازدياد ثروته، واستغلال موارده فكيف ستعمل في جو يشوبه الاضطراب؟ وكيف سترتقي في جو لا يوفر لك إلا المشاكل والاعتداءات؟ وكيف سيدخل المستثمرون في بلد لا يقدم إلا الفوضى والموت؟ لا شك أن كبار التجار والمستثمرين سينفرون من ذلك؛ لأنهم لا يريدون أن يخسروا ما قضوا حياتهم في المحافظة عليه.
ولا ريب أن الاهتمام بهموم المواطن وأوجاعه من أعظم الأمور التي تحفظ الأمن، وتساعد على انتشار القناعة والرضا بالمقسوم ولو تدنت الأجور وضعفت ميزانية الدولة فسيبقى المواطن متمسكا بوطنه الذي يشعر أنه جزء منه.
فإن حصلت المودة وساد التفاهم وكانت المصداقية فلا نحتاج إلى تشديد العقوبات بل المجرمون سيصبحون أداة إصلاح في المجتمع وأداة نفع.
فإذا أمن المواطن في سربه، وحصل على قوت يومه وسهل عليه أداء عمله، شعر أنه يعيش بكرامة وسيدافع عن وطنه بأي وسيلة؛ لذلك حري بالدول أن تهتم بمواطنيها، وتضمن لهم حقوقهم.
ولا شك أن هذا المنحنى سيحفظ الود، ويلزم المواطن بالتعاون مع وطنه، وقد أعجب النقاد بحادثة الحاكم الفارسي والمثل الذي أطلقه على الخليفة العادل عمر بن الخطاب، والاستنتاج الذي أبداه، فكأنه يلخص لنا العدل وسبب استتاب الأمن ورضا الرعية.
فحينما سأل عنه، ودلوه على مكانه فقد كان يظنه في أهبة الملك، وعظم المفارش والأرائك؛ وإذ به يجده تحت ظل شجرة، يقول في نفسه: أيعقل أن يدير العالم من أقصاه إلى أقصاه هذا القابع هنا؟ أيعقل أن يدوخ أكبر دولتين في العالم آنذاك وهو مستريح هنا؟ لا رقابة ولا حرس ولا شيء من ذلك لكنه لما أعاد الكرة ورأى عدله وتواضعه وحسن استقباله وعظم اهتمامه بكل فرد من أفراد رعيته أدرك سياسته وحكمه فقال قولته المشهورة التي تلخص الحكم وتبين كيف ينشأ العدل والرضا بين الرعية: «حكمت فعدلت فأمنت فنمت يا عمر».
فتوفير الرعاية والصحة والعمل وجميع حقوق المواطن ومستلزماته هو أعظم أمر يمكن للدولة أن تقدمه لبلدها، وهو ضمانة لها من أي ضمور أو جمود أو ضياع أو اضطراب.
فما أجمل أن نعنى بهذا الجانب أكثر من غيره! وأن نوليه أشد العناية! وهذا ليس معناه أن نهمل إقامة أنظمة الأمن من شرطة ومكافحة للشغب وجيش لرد أي اعتداء أو اضطراب يحدث في البلد إلا أن الباعث الأهم والأمر الذي لا يختلف فيه أحد أن الأمن يجب أن ينطلق من العدالة وإعطاء الحقوق وتقديم الرعاية في كل المجالات.
فعلينا أن نشعر المواطن دوما أنه جزء من أجزاء الوطن وأن الوطن يمثله لا يمثل الحاكم وسدنته فقط بل الوطن للجميع كل يبذل فيه جهده ويسعى لنصرته ويقدم الغالي والنفيس من أجله، فما المناصب إلا أمانة وتكليف، فما أجمل أن يحيى الإنسان بهذه الروح ويقدم ما يملك للوطن.
ولا ريب أن دور الشرطة واضح في تأمين الكثير مما يخص المواطن والوطن، كحالات الطوارئ التي تقدمها هيئة الدفاع المدني وضبط الأمن في الشوارع والأماكن العامة والخاصة، وإصلاح المجتمع وإبعاده عن شبح المخدرات أو الجرائم أو الاعتداءات، ومحاولة إرشاد المواطن فيما يخص المركبات والسرعة القاتلة وعمل ما يقلل الحوادث والإصابات.
فوجود الشرطة يشعرك بالأمن والراحة وأنك في بلد الأمن والأمان، كما أن المعاملة الرحبة التي يتلقاها المواطن من جل رجال الشرطة والأسلوب الحسن الذي يستعمله رجالات الشرطة تكشف عن معدن هؤلاء الرجال الأوفياء؛ فقد أدركوا وظيفتهم وعلموا أنها ليست استعلاء أو إرهاقا للمواطن بل هي تنظيم وتحسين للبلد وإبعاد عن شبح الموت أو الفوضى أو الإهمال.
فلله درهم ودر من سار على طريقهم التي تفرح المواطن وتجد في نفسه السعادة والهناء والحبور لما يرى رجالات الشرطة يبحثون عن المجرمين ويتعقبون الخارجين عن القانون، ويتعاونون مع المواطن بروح الوطن الواحد الذي يجب أن يشترك فيه الجميع بغض النظر عن تخصصه أو عمله؛ فكلنا نعمل بروح الفريق الواحد.
لذلك أولت حكومتنا الرشيدة عناية خاصة بالشرطة لوجوب حماية الوطن والمواطن من الفساد والجريمة فنظمت ودربت الكفاءات التي تعين على أداء هذه المهمة بأكمل وجه وأتم بيان.
فالشرطة والمواطن لا ينفصمان ولا ينفصلان أبدا كما أن الوزارات الأخرى والهيئات في السلطنة لا يمكن أن تتخلف عن هذا المنحنى بل كلهم يخدم الوطن وينصب ذلك في مصلحة المواطن؛ لذلك نأمل أن تكون صورة التكامل بين هذه المؤسسات كلها أفضل، وإن وجد ورأينا هذا التكامل والتعامل إلا أننا نحتاج إلى تعامل أكثر تنظيما وأكثر ائتلافا فيما يخص المجتمع، فمثلا فيما يخص الشوارع يجب ألا يطغى مثلا التشجير والتحسين والتنظيم والتنضيد على مسألة وسع الشوارع وسلاستها ويسر السير فيها؛ لأن اتقاء حادث وحفظ نفس أهم من تشجير مدينة بأكملها.
فيجب أن تتفاعل كل المؤسسات من أجل المحافظة على الإنسان فتشترك في ذلك وزارة التربية والتعليم، والتعليم العالي في وضع مقررات تحذر المواطنين من خطر السرعة الزائدة، وضرورة فحص المركبات قبل استعمالها، والعناية بها.
ومثل ذلك تشرك وزارة الأوقاف من خلال خطب الجمعة والمحاضرات والمؤتمرات والندوات ومثلها الجريدة والإذاعة كل منهم يؤدي دوره ويسهم في الحفاظ على الوطن والموطن، يتم ذلك بصورة منظمة تنظيما محكما بعيدا عن العشوائية.
ومثل ذلك بقية المؤسسات والفرق التطوعية ومنظمات المجتمع المدني يجب أن تشرك في التخطيط والتنظيم فلا توضع السكنات في أماكن الوديان مثلا، ولا توضع الشوارع في أماكن كثرة مراعي الإبل والأغنام بل يجب أن يشرك المواطن في كل ذلك؛ لأنه أدرى بمحلته ومجاري الأودية فلا نستعجل في عمل شيء ولا نتباطأ في إصلاح أمر قال تعالى: «وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ».