اضاءة :المال الحلال

سالم بن حمدان الحسيني –

المال قوام الحياة فبه تهنأ وتطيب، كما انه سلاح ذو حدين يمكن تسخيره فيما ينفع النفس الإنسانية وفيما يضرها، ولكسب ذلك المال طرق عدة وللناس فيه مشارب متعددة، منها ما أحله الله ومنها غير ذلك، ووسائل كسب المال المباحة كثيرة ومتاحة يمكن للمرء أن يطرق أبوابها، وهناك طرق أخرى محرمة يستسهل الكثير الولوج إليها، ولذلك أولى ديننا الإسلامي الحنيف الكثير من الاهتمام لهذا المال ووضع له العديد من الضوابط وسنّ له الكثير من الأحكام التي تقنن حركته وفق الشريعة الإسلامية العظيمة، كي يسعد به الإنسان في دنياه ويجني ثمرة حصاده في عقباه، فإن هو أحسن إدارته وتسخيره وفق تلك الضوابط والأحكام الشرعية التي أقرها هذا الدين الحنيف فاز ونجا، وهي في مجملها أخذ المال من حله ووضعه في محله، وان كان بخلاف ذلك فقد خاب وخسر، وعلى هذا فتترتب على ذلك الكسب أمور كثيرة بعضها محمود الجانب وأخرى غير محمودة العواقب وعلى إثر تلكم الحالتين تنعكس آثارهما سلبا أو إيجابا على الفرد والجماعات وعلى المجتمع بأسره والبيئة التي يعيشون عليها. ولا ريب ان هناك نماذج من البشر لا تقيم وزنا لمثل هذه الاعتبارات الشرعية أو حتى الإنسانية أو الأخلاقية التي تمثل الضمير الإنساني اليقظ الذي يضع في اعتباره هذا الجانب فتراه يلهث وراء المال تحت تأثير الطمع وحب التملك وإشباع الرغبات الجامحة من شهوات النفس الإنسانية (وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا، وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا) فهي غريزة في النفس ان لم تجد ما يردعها أو يكبح جماحها من القوانين أو الأحكام الشرعية خصوصا ان كان لها من النفوذ ما يمكّنها من اقتحام تلك القوانين والتسوّر على الأنظمة التي وضعتها الدولة حينها تطلق لنفسها العنان بلا حدود فتحلّق في أجواء ملبدة بسديم الفساد الذي يتعدى ظله الضبابي الملوث الى المجتمع بأسره وبيئته التي يعيش عليها.
وهناك العديد من الأمثلة التي لا تعد ولا تحصى فلو نظرنا الى جانب واحد من ذلك اندفاع البعض بوعي أو دون وعي الى تبني سجلات تجارية تحت مظلة قانونية ولا يعنيه من أمرها سوى التكسب غير المشروع الذي لا يقره شرع ولا خلق ولا دين بل مطامع لدراهم معدودة نهاية كل شهر مقابل ان تمارس تلك العمالة ما يحلو لها من جرائم في حق البشر وفي حق البيئة والأرض التي ولد فيها وترعرع عليها، فكم سمعنا وكم قرأنا وكم رأينا من تلك الممارسات المشينة لأولئك العمالة السائبة التي تعيث في الأرض فسادا دون رقيب ولا حسيب، بل الأدهى والأمر أن تُمارس ما يحلو لها تحت مرأى ومسمع من كفلائها بل وينبري البعض للدفاع عنها واستخراج شهادات البراءة وصكوك الغفران لها واعتبار ان المساس بها مساس بكرامته وشخصيته المتنفذة وتدنيس لسمعته المهيبة اذا ما سقطت تحت طائلة القانون.
فهل هذه العمالة تسوّرت حدودنا الجغرافية بطرق غير مشروعة أم أنها تحمل الصبغة القانونية وبالتالي تمارس ما يحلو لها تحت مظلة المواطن وعلى مرأى ومسمع منه، وأخرى لا يعلم من أمرها شيئا، وحينها نقول: إن كان لا يدري فتلك مصيبة وان كان يدري فالمصيبة أعظم.