الاستقلال : حاصر حصارك بالجنون وبالجنون

في زاوية أقلام وآراء كتب الدكتور محمد مشتهى مقالا بعنوان : حاصر حصارك بالجنون وبالجنون…،جاء فيه:
لماذا قال الاحتلال عن الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي زياد النّخالة إنه عبقري إلى حد الجنون؟
«الإسرائيليون» يقولون بأن الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي لا يمتلك مشروعاً سوى مشروع المقاومة ضد «إسرائيل»، وهم يرون أن كل خياراته وممارساته قبل ومنذ استلامه الأمانة العامة لحركة الجهاد الإسلامي هي خيارات وممارسات طابعها الحدة والتطرّف ، وفيها الكثير من الوضوح ، وأن لغته تثويرية ، وتحمل الاستعداد والحماس الكامل لممارسة المقاومة ضدهم ودون تردد، وإن توافر مثل هذه الصفات بقائد في هذا الزمن يعتبر ضرباً من الجنون من وجهة نظرهم، وأن يكون هناك قائد يرفع شعار المقاومة ولديه المقدرة على إيقاع الأذى بالاحتلال ويمتلك خيارات سياسية وتحالفات على مستوى الإقليم ، هم أيضاً يعتبرون ذلك جنوناً.
أما العبقرية كونه يتّخذ الخيار الصحيح وهو أن «إسرائيل» هي العدو، ويركّز جيدا على هذا الخيار، ويعمل على تصويب الجهود لخدمة هذا الخيار…لأن الخيارات الأخرى البديلة هي إما تسوية مع «إسرائيل»، أو مراهنة عليها لتحقيق ابسط الحقوق للشعب الفلسطيني ، وإن مثل هذه الخيارات تعتبر خيارات غير عقلانية ، لذلك فإن الخيار العبقري هو أن تختار خيار المقاومة….وهذا لا يعني أن « إسرائيل» فرحة لهذا الخيار، بالعكس تماما هم يعتقدون بأن هذا الخيار ضد إرادتهم وضد مخططاتهم ، لذلك هم يعتبرون الأمين العام خطراً على «إسرائيل»، هو خطر على المستوى الفكري وخطر على المستوى السياسي، فهو لديه وضوح لا لبس فيه، يعلم ما يريد، وهدفه واضح.
هناك شعرة بين العبقرية والجنون كما يُقال ، الإسرائيليون يعتقدون بأن الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي بعبقريته وتبنيه لخيار المقاومة فإنه مستعد في صراعه مع الاحتلال أن يذهب إلى حد الجنون ، ومن الممكن أن يُحدث حرائق في المنطقة بأسرها لأن حساباته تختلف عن حسابات الآخرين.
نزار قباني يقول في قصيدة له: (يا مجانين غزة ألف أهلا بالمجانين إن هم حررونا ….إن عصر العقل السياسي ولي من زمان فعلمونا الجنونا)، ومحمود درويش يقول: (حاصر جنونك بالجنون وبالجنون)…. فالجنون مطلوب في بعض الأحيان، بمعني «عدم الحسابات»، وهنا المقصود بالحسابات المثبِّطة.
هذا العدو واضح ، وهو يحتل الأرض ، ولا يوجد عنده خيار سياسي سوى اقتلاع ما تبقى من شعبنا ليحل مكانه مستوطنيه ، والأفق السياسي معه مسدود ، حتى الذين يقدمون تنازلات لم يأخذوا منه شيئاً، هو يبني المستوطنات فوق الأرض الفلسطينية في الضفة والقدس وفي كل مكان يرغب به ، هو يقول اعملوا لكم دولة بغزة إذا أردتم ، وسأظل أحاصركم، في هذه الحالة وهذا المشهد السياسي نحن بحاجة إلى الجنون الذي قال عنه درويش: حاصر حصارك بالجنون، وهنا لا يعني الجنون أن من يمارسه أصبح فاقداً للأهلية وللعقلانية ، بالعكس تماما، فالجنون هنا أنك وفي هذا الصراع وبهذه الطريقة أصبحت لا تراهن إلا على نفسك ، ووعيك، ومقاتليك ودماء شهدائك.
يقول الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي: «نحن الفلسطينيين» إما أن نكون مقاتلين «لإسرائيل» أو نكون عمّالا عند «إسرائيل»، وباعتقادي أن هذه هي نظريته والتي تتمثّل بإما ، أن نعيش سعداء أو نموت شهداء، هذا هو جنون الأمين العام باختصار شديد، وهذا هو الواقع الفلسطيني لمن يريد أن يراه بوضوح.
لقد أصبح لدى الأمين العام عدم رهان على المعطى السياسي ، فهو لا ينتظر جحافل تأتي من الخارج لتحرير فلسطين ، وفي السياسة لا يوجد آفاق بل يوجد انغلاق ، والمقاومة بالنسبة «للإسرائيليين» جنون وهي بالنسبة للمطبعين جنون.