التنمـية الإسـكانـية المسـتـدامـة «٢»

عائشة بنت عبدالله العلوية –

هل يوجد ارتباط بين بيانات السكان والحاجة إلى السكن؟
وما مدى درجة ذلك الارتباط؟
وكيف يمكن ربط السياسات السكانية مع السياسات التنموية الأخرى؟
في الواقع يعد قطاع الإسكان قطاعا اقتصاديا وخدميا له ارتباط مباشر مع الجانب السكاني، وتحدد الحاجة إلى المساكن وفقا لبيانات السكان وما يرتبط بها من خصائصها؛ النوعية والعمرية وعمليات الهجرة الداخلية، ولذلك فإن هناك حاجة ماسة إلى معرفة الأثر المتبادل بينهما للوصول إلى سياسة إسكانية متكاملة قادرة على مواجهة الطلب المتزايد على السكن.
وإذا أردنا تقريب الصورة من ذلك الارتباط الموضوعي بين بيانات السكان والحاجة إلى السكن فيمكننا النظر إلى المجتمعات الفتية التي ترتفع فيها المواليد وتقل الوفيات.
وتمثل الفئة العمرية الواقعة بين ١٥-٦٥ ما نسبته ٥٠٪ من السكان وتعتبر هذه الفئة هي الفئة المحركة لعجلة الإنتاج في أي مجتمع، هذا يعني أن ارتفاع نسبتها يقابله ارتفاع في احتياجها من السكن، ناهيك عن أن زيادة المواليد على المدى الطويل تعد بحد ذاتها هي الأخرى مؤشرا على النمو السكاني وما يحدثه هذا النمو من تغيير في تركيب حجم العائلة النوعي والعددي، بل إنه حتى زيادة حالات الطلاق في المجتمع هي الأخرى ترفع درجة الطلب على السكن لأنها تخلق أسرة جديدة وهذه المؤشرات السكانية يجب الالتفات إليها بعناية من قبل صناع القرار والمشرفين على صياغة السياسات الاقتصادية والاجتماعية.
إن توفر السكن الجيد أمر ضروري لتحقيق التماسك الاجتماعي للأسر والانتماء الوطني للفرد، ففي سنغافورة مثلا كان غالبية السكان عند نشأة الدولة يسكنون في مساكن غير لائقة وفي تجمعات عشوائية متناثرة وكانت روح الانتماء للأرض السنغافورية ضعيفة والشعور بعدم الأمان كبيرا وقد لمست الحكومة وقتئذ ذلك فعملت على بناء المدن الحديثة ورفعت نسبة التملك للمواطنين لمساكنهم وأوجدت برامج تمويل مرنة للبعض منهم، وقد ارتفعت بفضل ذلك نسبة التملك وأضحت من أعلى النسب على مستوى العام حيث إنها تجاوزت ٩٣٪.
ولا يجب أن تكون السياسة السكانية بمنأى عن تقلبات الأسعار وارتفاعها فتوفير السكن في حد ذاته هدف، ولكن القدرة على تحمل تكاليف السكن في ظل غلاء المعيشة والتضخم في أسعار الأراضي والإيجارات تحد يواجه الأسرة لتكون قادرة على توفير النفقات المصروفة على السكن بشكل قد يؤدي لدى بعض الفئات الأقل دخلا في المجتمع إلى عدم الوفاء باحتياجاتها الأسرية الأساسية الأخرى، ولذلك فإن السياسات الإسكانية يجب أن تتوافق دائما وأبدا مع الواقع الاقتصادي الذي تعايشه الأسر وهي تتطلب التصحيح والتعديل المستمرين من خلال رصدها ومتابعتها لتأثير السياسات، التشريعات لكيلا يصبح حصول المواطن على السكن أمرا تكتنفه الصعوبات سواء على صعيد الحصول على الأرض أو التمويل اللازم للبناء، أو الإجراءات التي تسهل الحصول على سكن ميسر.
ولا يحتل توفير السكن أولوية قصوى في الدول النامية فقط بل وفي الدول المتقدمة أيضا، فعلى سبيل المثال وجه عدد من الباحثين الأمريكيين نصائح مهمة للحكومات الفيدرالية حول سياسات الإسكان الأمريكية في المستقبل، بحيث إنه يجب أن ترتبط سياسة الإسكان بالسياسات الاقتصادية والاجتماعية الأخرى، وهذا أمر ضروري من أجل أن تتكامل كافة السياسات في القطاعات الصحية والتعليمية والتنمية الاجتماعية، ومما نصحوا به أيضا أن المساعدات والمخصصات الحكومية عنصر شديد الأهمية في أي سياسة إسكانية، وهذا صحيح إلى أبعد الحدود فعمليا لا يمكن للفئات الأقل دخلا وعوزا الوصول إلى المسكن إلا بفضل الدعم الحكومي ـ وسوف نفرد مقالا لأهمية تلك المخصصات، وكان من بين تلك النصائح أن على الحكومات الفيدرالية تحسين قدرتها على تنفيذ برامج المساعدات لخدمة العائلات ذات الدخل المنخفض، يأتي ذلك عن طريق تطوير البرامج وملاءمتها للمتغيرات الاقتصادية والاجتماعية، وأخيرا يرى الخبراء أن سياسة الإسكان يجب أن تبتعد عن مبدأ «قياس واحد يلائم الجميع» فالمنتجات السكنية يجب أن تتنوع بما يفي بمتطلبات الأسرة النوعية والعددية والصحية وغير ذلك.

ولعل من نافلة القول أن الاهتمام بقضايا الإسكان ليس شأنا محليا للحكومات فحسب فقد عملت الأمم المتحدة على ترسيخ الاهتمام بقضايا السياسات الإسكانية والتنمية وذلك بإقرار الاستراتيجية العالمية للمأوى في عام 1988. كما أدت تلك الجهود للأمم المتحدة في المجال الإسكاني إلى ظهور مفهوم «التنمية الحضرية المستدامة» والذي تبلورت مفاهيمه في عام 1990 بوضع برنامج لقياس «مؤشرات الإسكان» لربط سياسة قطاع الإسكان بعملية تخطيط الحكومات الشاملة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.