الكاسبون والخاسرون من هبوط سعر النفط إلى 50 دولارا

نك بتلر – الفاينانشال تايمز –

ترجمة: قاسم مكي –

إن سعرا في حدود 50 دولارا للبرميل في الأجل المتوسط كاف للحفاظ على معظم الإنتاج الحالي حول العالم على الرغم من أن انخفاض سعر نفط غرب تكساس الأمريكي إلى ما بين 40 – 49 دولارا يضع علامة استفهام حول (استمرار) عمليات إنتاج النفط الصخري.

هبط سعر النفط إلى ما يزيد قليلا عن 52 دولارا في الأسبوع الأخير من شهر ديسمبر وبأكثر من الثلث خلال أقل من 90 يوما منذ بداية أكتوبر. هذا التراجع أكبر من أن يكون عرضا آخر من أعراض انعدام اليقين في السوق (عدم القدرة على التنبؤ بمآلاته – المترجم). وهي الحالة التي تحيط بالاقتصاد الأمريكي ونتج عنها تدهور أسعار الأسهم في نهاية العام.
من المؤكد أن التوقعات بحدوث تراجع خطير في النشاط الاقتصادي عام 2019 لها أهميتها. لكن العامل الرئيسي وراء تدني أسعار النفط يتمثل في استمرار فائض الإمدادات قياسا بحجم الطلب على خام النفط ومنتجاته.
إن السوق مؤشر صادق على حقائق الاقتصاد المحتجبة. وينبغي أن يكون هبوط الأسعار مفاجأة مقيتة لبعض اللاعبين في سوق النفط.
فمن الواضح أن جهات عديدة بما فيها بعض صناديق التحوط الرئيسية توقعت ارتفاع الأسعار في العام المنصرم (2018). وكانت هنالك توقعات على نطاق واسع ببلوغها مستويات تتراوح بين 80 إلى 100 دولار للبرميل. وبدا أن تزايد الطلب على النفط واقترانه بخفض الإنتاج سيجعل من ارتفاع السعر رهانا مضمونا. ففنزويلا وإيران تنتجان وتصدران- لأسباب سياسية مختلفة – نفطا يقل بحوالي مليون برميل في اليوم تقريبا عن حجم إنتاجهما وتصديرهما قبل عام مضى. فوق ذلك، كانت أوبك قد وافقت في اجتماعها في ديسمبر على خفض الإنتاج بأكثر من مليون برميل في اليوم. لكن من الواضح أن السوق قدرت الإمدادات بأقل من حجمها الحقيقي خصوصا إنتاج الولايات المتحدة وبلدان أخرى خارج أوبك.
فوفقا لتقديرات وكالة الطاقة الدولية زاد الطلب قليلا هذا العام بحوالي 1.3 مليون برميل في اليوم. لكن الإنتاج خصوصا من النفط الصخري الأمريكي غطى هذا النمو (في الطلب) على الرغم من تدهور الإنتاج في إيران وفنزويلا.
واقع الحال أن السوق مكتظة بالنفط وستكون هنالك حاجة إلى أكثر من ذلك الخفض البسيط الذي وافقت عليه أوبك لإيجاد توازن جديد (بين العرض والطلب). وربما أننا لم نشهد بعد «الحضيض» الذي يمكن أن ينخفض إليه سعر النفط خصوصا إذا حدث انكماش في الاقتصاد العالمي في العام الجديد.
إذن من يكسب ومن يخسر في هذا المناخ المتقلب؟
من بين الكاسبين كبرى شركات النفط التي خفضت تكاليفها بطريقة منهجية وأعادت ترتيب أنشطتها لتحقيق «ربحية» في كل عملياتها حتى مع بقاء الأسعار عند مستوى 50 دولارا للبرميل لبعض الوقت. وعائدات أسهمها آمنة في معظم الحالات. كما تدل قدرتها على القيام بذلك على استمرار متانتها ومرونتها. وهي الآن، كما في التراجعات السابقة، في موقف جيد يمكنها من العودة إلى وضع مقبول مقارنة بشركات النفط الأخرى الأكثر اعتمادا على الأسعار المرتفعة. وغالبا ما سنشهد موجة اندماج بين الشركات، كما يبدو.
أيضا الرئيس ترامب أحد الكاسبين على نحو ما. فهو قد سعى إلى خفض الأسعار وحصل على ما كان يريده. لكن من الممكن أن تكون هنالك تكاليف إذا تسبب هبوط الأسعار في حالة خطرة من عدم الاستقرار السياسي.
أما الخاسرون فالبلدان المنتجة التي فشلت في التقليل من اعتمادها على إيرادات النفط أو جعل شركاتها النفطية الوطنية ناجحة في عالم يتسم بانخفاض الأسعار.
يواجه هؤلاء الخاسرون فترة «عجز» في الموازنات وتزايدا في الديون وخفضا في الإنفاق الجاري والاستثمار الطويل الأجل. ومن الممكن أن تترتب عن ذلك نتائج اجتماعية واقتصادية خطرة وأوسع نطاقا إلى حد بعيد خلال العام الحالي في مناطق تتسم سلفا بالهشاشة. فنيجيريا وفنزويلا وأنجولا بل حتى روسيا أمثلة فقط لبعض البلدان التي تفتقر إلى الموارد الضرورية للتعامل مع هبوط حاد آخر في إيراداتها من الصادرات النفطية. وفي شمال وغرب إفريقيا والمنطقة حوالي فنزويلا تتعزز بشدة مخاطر نزوح جديد للمهاجرين لأسباب اقتصادية في عام 2019.
إن سعرا في حدود 50 دولارا للبرميل في الأجل المتوسط كاف للحفاظ على معظم الإنتاج الحالي حول العالم على الرغم من أن انخفاض سعر نفط غرب تكساس الأمريكي إلى ما بين 40 – 49 دولارا يضع علامة استفهام حول (استمرار) عمليات إنتاج النفط الصخري. ويلزم أن يكون وضع الحوض البيرمي (في الولايات المتحدة) آمنا. وهو المصدر الرئيسي لنمو الإنتاج في الأجل القصير. لكن مناطق الإنتاج الأخرى قد تعاني إذا ظلت الأسعار منخفضة.
ومن ناحية اقتصادية بحتة سيكسب المستهلكون من هبوط الأسعار. فالصين التي تستورد الآن أكثر من 9 ملايين برميل في اليوم ستستفيد من انخفاض فاتورة وراداتها النفطية. لكن يلزم أن يكون التقلب في أسعار النفط تذكيرا للسلطات في العاصمة الصينية بيجينج بما يمكن أن يترتب على «أمن الطاقة» من نتائج بسبب اعتمادها على الإمدادات النفطية من مناطق ليس في مقدورها التحكم في استقرارها.
السؤال: هل سنشهد تحولا في اتجاه أسعار النفط في عام 2019؟
إذا طبقت الولايات المتحدة نظام العقوبات ضد إيران بالكامل ستتعزز فرص ارتفاع الأسعار. أما بخلاف ذلك فربما لن يحدث شيء.
إن رد الفعل الغريزي (الطبيعي) لمعظم المنتجين عند انخفاض الأسعار هو تعظيم الإنتاج للحفاظ على الإيرادات.
وتبدو أوبك أضعف اقتصاديا من أن تخاطر بإجراء خفض ضروري بحوالي مليونين إلى ثلاثة ملايين برميل في اليوم لدفع الأسعار مجددا نحو 70 دولارا للبرميل. وسيستمر الطلب في الارتفاع. لكن لا يوجد نقص في الإمدادات. إذن مرحبا بعصر الوفرة (النفطية).

•الكاتب رئيس معهد السياسات بجامعة كنجز كوليدج لندن.