استحضار « مبدعون »… من التاريخ والتراث العماني

د. عزة القصابي –

تخلد مجلدات «التاريخ والأدب العماني» شخصيات رموز وأعلام أسهموا في الحضارة العمانية . هناك قادة خاضوا معارك واستطاعوا أن يحققوا انتصارات وفتوحات ونشروا الإسلام في بقاع كثيرة من العالم. كما سمعنا عن نساء عمانيات خالدات؛ عالمات وفلكيات وشاعرات وقياديات، وغيرهن ممن ساهمن في بناء عمان والأمتين العربية والإسلامية.
تنضح موسوعة «مبدعو عمان» بكوكبة من الأئمة والقادة والفاتحين والعلماء والمفكرين في ميادين شتى، اتصف هؤلاء بمزية الإبداع الفكري فكان المبدع سابق عصره في مختلف العلوم والآداب. وكان ذلك سببا في ازدهار الحركتين الثقافية والأدبية، رغم افتقاد عمان آنذاك لأبسط عوامل الاستقرار والرخاء، التي تتوفر في وقتنا الحاضر.
وإذا بحثنا في سيرة «أعلام عمان» سنجد أن هناك شخصيات ذات إنجازات علمية لم يسلط الضوء عليها بعد، وظلت مبهمة في مجلدات الكتب. لذلك كان لابد من استحضارها في ذهنية الإنسان العماني المعاصر.
الحاصل، أن أقصى تكريم لأولئك المبدعين (الأئمة، الفاتحين، والعلماء والمشايخ الأجلاء) ، هو إقامة الندوات النظرية التي تعتمد على السرد المكتوب الذي يحصر قاماتهم بكلمات فخمة وجزلة. وإذا نظرت للحضور ستجدهم من الفئة العمرية الوسطى وكبار السن. وبمجرد انتهاء فعاليات الندوة، تطوى ذكرى ذلك العالم كغيره، لتكون خاتمة فصول قصة أولئك الذين شقوا الصخر، ولكن لم ينصفهم الآخر في التعريف بهم والاستفادة من إرثهم الثقافي.
حقيقة صعبة، لابد من التوقف عندها، نتذكر بعض أولئك المبدعين العمانيين من علماء وفلاسفة وأطباء وأدباء، منهم العلامة الشيخ نور الدين السالمي الذي كان تواقا للأدب والتاريخ. والذي ألف العديد من الكتب أهمها «أنوار العقول، ومشارق أنوار العقول، وبهجة الأنوار، ورسالة تلقين الصبيان» و«تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان».
ومن زمرة العلماء المبدعين الذين يعود نسبهم إلى قبيلة الأزد، العلامة الخليل بن أحمد الفَرَاهِيدي، الذي ولد في عُمان عام 100هـ . والذي عاش في البصرة في عهد الخليفة الأموي العادل عمر بن عبد العزيز . وتفرد الفراهيدي بسمات الإبداع حيث اتصف بذكائه وعلمه. وبرزت إنجازاته العلمية في بحور اللغة العربية، فألف كتبا لا تزال تدرس في الجامعات العربية، مثل: «كتاب العين» وكتاب «العروض» وغيرها.
ومن أعلام عمان المبدعين ابن الذهبي عبد الله بن محمد الأزدي الذي عاش في صحار عام 1033م. والذي عرف بإسهاماته في الطب وعلم النفس والفقه والكيمياء، وهو من تلامذة العالمين البيروني وابن سينا.
وهناك عالم عماني آخر هو الطبيب راشد بن عميرة بن ثاني، مؤلف كتاب «فاكهة ابن السبيل» الذي حوى العديد من الوصفات الطبية لعلاج الكثير من الأمراض الباطنية، القلب، الجلدية والسرطان، إضافة إلى الجراحة وأساليب علاج الجروح وإجراء العمليات والأمراض النفسية .
يُعدّ المهلب بن أبي صفرة الأزدي أبرز الفرسان المقاتلين الذين حققوا الفتوحات والانتصارات الحربية، الذي اتصف بقدرته الحربية فكان يقاتل ويقود المعارك بكفاءة عالية.
لا يقتصر الإبداع على الرجل العماني فحسب، فمنذ الأزل كانت المرأة العمانية حاضرة، فإلى جانب دورها في المجتمع، فقد كان لها دور في مجالس وحلقات العلم. تذكر كتب التاريخ العماني العالمة والشاعرة عائشة بنت عيسى بن صالح الحارثية، وهي سيدة جليلة وأديبة من بيت علم وفضل وجاه . وهناك عالمة أخرى اتصفت بالمعرفة والعلم، هي ثريا اللمكية من ولاية الرستاق، التي أهتمت بدراسة علوم الدين واللغة . وتقاربت معها علميا وزمنيا العالمة الشيخة زيانة بنت حمد بن سليمان الخروصية 1324 هـ .
تشير المرجعيات التاريخية إلى مبدعة عمانية تدعى هند بنت المهلب بن أبي صفرة الأزدي، التي اتصفت برجاحة العقل وعلو الهمة والفصاحة والبلاغة والحكمة وحسن الخصال، عاشت في أوائل القرن الهجري الثاني . كما شهدت ولاية بدية ميلاد قامة علمية أخرى، هي شيخة بنت علي بن عامر الحجرية التي عرفت بعلمها ومجالسها الفقهية بين النساء.
وفي ظل تزايد الاهتمام بالرؤية البصرية في وسائل الإعلام التقليدية والبديلة، كان لابد من التفكير كيف نكرم ونخلد هؤلاء المبدعين، ونحفظ لهم مكانتهم محليا وإقليميا ودوليا.
أما آن الأوان أن نطلق «أسماء» هؤلاء القادة والعلماء الأجلاء على الشواهد الأثرية والمباني العصرية، مثل: الشوارع والمتاحف والمكتبات والمدارس والجامعات والمستشفيات، بل أن نطلق اسم عالم على الجوائز والمسابقات العلمية والملتقيات الفكرية والطبية.
المشهود به، أن بعض الدول عندما تريد أن تمجد مبدعيها، فإنها تصنع لهم تمثالا في الميادين العامة، حتى أصبح يعرف ذلك الميدان باسم تلك الشخصية. ولكن في ظل غياب ثقافة النصب التذكاري لدينا، وجب أن نبحث عن بدائل للتذكير بشخصيات وأعلام عمان.
عالميا، خلدت السينما وشاشات التلفزة علماء وقادة وأبطالا-منهم العرب والمسلمون- بإنتاج أعمال فنية تتعرض لسيرة نضالهم حتى أصبح العالم يعرفهم من خلالها. ونحن نتساءل في واقعنا العماني، كم من الأعمال التلفزيونية والسينمائية التي أحيت سيرة هؤلاء الفطاحلة؟
لماذا لا تشكل لجنة متخصصة تضم الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، ووزارة التراث والثقافة، وعددا من المتخصصين في مجالات الدراما والتاريخ والعلوم الإنسانية، للترجمة حياة هؤلاء الرموز، وإنتاجها تلفزيونيا، على أن تترجم بأكثر من لغة، ويرصد لها ميزانية تمكنها من الإنتاج الجيد والتوزيع العالمي؟
لماذا لا تقدم (أوبرا عمانية) تخلد هؤلاء الرموز من العلماء والأبطال والفاتحين وقصص من حياتهم وغيرها من مآثر التاريخ والتراث والقصص الشعبية، ويعاد صياغتها بأسلوب موسيقي ملحمي يعرف الآخر الوافد/‏‏ الزائر بتراث عمان وتاريخها؟
دونما شك، أن سلطنة عمان تتمتع بإرث حضاري يمتد إلى الألف الثالث قبل الميلاد، وهذا يكفي لتوفير مادة تنتج منها مئات من الأعمال الفنية برؤى جمالية تعبر عن روح عمان وثقافتها، بعد معالجتها لحنيا ودراميا وجعلها تخلل برامج (الأوبرا السلطانية) السنوية، بجانب البرامج العالمية والعربية المعتادة. وسيكون ذلك فرصة للسائح/‏‏ الزائر ليتعرف على عمان وأعلامها وروادها، بدلا من تقديم أوبرا إيطالية أو صينية أو حفل غنائي عربي، يمكن أن يشاهده الزائر في أي بقعة من العالم.
في ظل الانفلات الحضاري، وتداخل صفحات التاريخ، والعراك على الهوية وتأكيد الذات، فإن تقديم مثل هذه الشخصيات أو أي موضوع يمس التراث الشعبي أو التاريخ العماني، فإنه سيساهم في عكس البُعد الحضاري لسلطنة عمان، أما التراث العالمي فهو حق مشاع للجميع في كل زمان ومكان.
لماذا يغيب عن مهرجان «مسقط السياحي» معرض للتراث ورموز عمان وشخصياتها البارزة، حتى ولو يخصص له ركن بسيط في المهرجان ، يعرض فيه أفلاما وثائقية، مترجمة لأكثر من لغة، بحيث يتمكن الزائر على -اختلاف لسانه- من التعرف على عمان ورموزها وشخصياتها الحضارية؟
أسماء لامعة كثيرة من المبدعين العمانيين، علماء مفكرون وأطباء وفلاسفة وقادة فاتحون، عاشوا في حقب تاريخية مختلفة، لكنهم اجتمعوا تحت مظلة الإبداع الواسعة. من الصعوبة بمكان، أن نعطي هؤلاء حقهم في هذه العجالة السريعة، ولكن حاولنا أن نفكر، كيف يمكن أن نستدعيهم من صفحات التاريخ، وننفض عنهم غبار الماضي، ونعرف الإنسان العماني المعاصر والعالم أجمع بهم.