عطر: تحذير: خطر لا تقترب

رندة صادق –

هي مساحة واحدة لكي تجمعنا صدفة ونتقاطع بلقاء ونتواصل بحوار، إنها دائرة واحدة من الجذب والاقتراب والتفاعل، ومن بداية التعارف الى أن تنضج العلاقة ويصبح لها اسما ووصفا ويجزم الطرفان بعمقها وبقيمتها، هي رحلة لها بداية وكلنا يعلم أن ما له بداية له نهاية.
علاقات إنسانية لا تخلو بداية من الإبهار ومن الانجراف والاندفاع رغبة في اكتشاف الآخر، من هو؟ ما هي حكايته؟ وما أحلامه وخيباته؟ ما أماله وأمانيه؟ وماذا يخبئ في قلبه وعقله؟ رحلة اكتشاف يبذل فيها الطرفان كل ما باستطاعتهما لإنجاح تعارفهما وتقوية علاقتهما؟ لكن هل كل منا يحتاج نفس الجرعة من الاهتمام والحب، ونفس القدر من التركيز؟ هل ما يشكل إشباعا لشخص ما يكفي للآخر، أم أننا نتكلم عن معادلة لا يمكن تحديد نسبها ولا وقتها ولا تركيبتها؟
العلاقات ثلاثة أنواع: عابرة وتصاعدية ودائرية، وهذا لا يشمل العلاقات الأسرية التي لها قانونها الذي يتفق أحيانا مع النوع الثاني والثالث، خاصة انها علاقات قدرية لا يمكن أن تكون عابرة. العلاقة العابرة تلك التي في معظم الأحيان لا يذكر فيها أي من الطرفين أن التقيا حقا أم لم يفعلا؟ ولا يذكران أي تفاصيل ترتبط بهذه الفترة الزمنية القصيرة، وغالبا لا تترك أي انطباع وقد ينسيا حتى أسمائهما؟. العلاقات التصاعدية علاقة نمطية تسير بشكل ممنهج، فكما هو معلوم الصعود يقابله نزول، لا أحد قادر على الاحتفاظ بالقمة مهما كانت قوته: اذا تعارف، تفاعل، حماس ثم فتور وجفاف في التواصل، وبعدها الانشغالات التي يتعلل بها الطرفان لإنهاء العلاقة ويبتعد كل منهما في طريقين مختلفين.
العلاقات الدائرية أكمل العلاقات وأرقاها، حيث لا يتمكن الطرفان من تحديد متى بدأت ولا يفكران بحجمها او قوتها، ويدركان أن كل طرف فيها يشكل ركيزة في حياة الآخر ونقطة ثابتة بالنسبة له، وانه مهما اتسعت الدائرة وباعدت بينهما الحياة جغرافيا ونفسيا أو حتى ماديا حتما سيعودان ويلتقيان وكأن الزمن لم يمر بينهما، هي علاقات جميلة وراقية ولا يصيبها الصدأ وان اعتراها بعض الفتور أو مرت بفترات من الملل.
ومع هذا ما الذي يدمر العلاقات بكل أنواعها؟ أمران يدمران أي علاقة مهما كان نوعها: زمالة رفقة أو جيرة، صداقة او حتى حب، الأمر الأول:” عدم الاحترام،” أما الثاني:” كسر كل الحواجز وكشف كامل الغطاء النفسي والمادي والفكري أمام الآخر”، أو الاقتراب الكثير من تفاصيل التفاصيل الى أن تزول كل الفروقات والاختلافات، وهذا ينطبق أحيانا على علاقة الأم بأولادها، لا مانع من أن تكون الأم صديقة لأبنتها أو ابنها، لكن من المهم الإدراك أن هذه الصداقة لا يجب أن تهز قيمة الأم ومكانتها، ولا يجب ان تذهب الى نقطة اللا تقدير. أما في الحب، فالويل كل الويل لمن لا يمساك بذاك الخيط الرفيع الذي يجعل الحبيبين متوازيين، يقفان على أرضية واحدة، فليس المطلوب الانصهار بل التلاقي وفق حاجة واحدة بمعيار عال من الاحترام، وكمية متساوية من اللهفة والشوق.
أوافقكم أنها معادلات دقيقة، وان العلاقات بشكلها وبتلقائيتها وبحدوثها أبسط من ذلك، وهي قد تحدث بعفوية وتنتهي بتعقيد ولا تخضع لكل هذا التفكير لنعيشها ونخرج منها، لطالما بدلت الحياة وجوها ومنحتنا وجوها أخرى جديدة ولكن هذا بالتحديد الذي يعزز تلك الوجوه في ذاكرتنا، العاطفة في العلاقات مخيبة لذا علينا الإمساك بقلبنا والقياس بعقلنا، وليس عيبا أن نضع يافطة كتب عليها “تحذير: خطر لا تقترب”!