عودة روح مصر في «الشيطان يسكن في بيتي» للروائي د.عبد الرحيم درويش

تحليل – د.سمير محمود –

ظل الشيطان عبر العصور مصدر غواية وإغواء لإبداعات أدبية وقطع فنية ودرامية متميزة عبر العصور، حيث استلهمه كبار الكتاب والروائيين وقدموه موضوعا مستقلا بذاته في العديد من إبداعات الأدب العالمي، وموضوعا ومحركا للأحداث وصانعا لها في الكثير من الأعمال التي أخذت طريقها للشاشتين الكبيرة والصغيرة، ومن بين ما قدم في هذا الإطار أعمال دوستويفسكي «الشياطين»، رواية «السيد الرئيس» للكاتب العالمي الحائز على جائزة نوبل أستورياس من أمريكا اللاتينية، وهناك «بروميثيوس»، شيطان الآداب اليونانية الكلاسيكية، وشيطان جون ميلتون في الفردوسين «المفقود» و«المردود»، وصولا لشيطان فيكتور هوجو وفاوست، وأما في الأدب العربي، فقد كان للشيطان حظه الوفير بوصفه ملهما للشعراء حينا ولغوايتهم في معظم الأحيان حسبما ذهب أبو العلاء المعري، كما تجلى الشيطان في أشعار أبي نواس وأمير الشعراء أحمد شوقي وقدم عباس محمود العقاد كتابه الأشهر «إبليس» تناول فيه أسماء وأنواع وتاريخ الشيطان عبر العصور وفي الحضارات المختلفة، كما قدم نجيب محفوظ رؤيته الخاصة عن الشيطان في رواياته وبعضها تحول لأفلام ومن أبرزها «الشيطان يعظ» «أولاد حارتنا»، وقدم توفيق الحكيم عمله النادر «عهد الشيطان»، وصولا لأعمال روائية عديدة صدرت أخيرا لكتاب وروائيين يستلهمون الشيطان بطلا ومحركا للأحداث، ومن بين تلك الأعمال المتميزة، رواية «الشيطان يسكن بيتي» للروائي الأديب الدكتور عبد الرحيم درويش.
رواية درويش تبدو كوردة تتفتح مع تطور وتلاحق أحداثها بشكل مكثف أمام ناظري القراء، فتضفي بواقعيتها بهاء وتفردا في السرد والمعالجة ورسم الأشخاص وتقاطع الأحداث وتلاقيها، متخذة من مصر الوطن بلدا وسياقا مكانيا هادئا هدوء السماء الصافية حين يحتضن الريف أحداثه، مرتبكا مشوشا صاخبا ثائرا متمردا إلى حد التناقض كلما اقترب من عوالم المدينة وكل مدن مصر التي لا تنام منذ سبعة أعوام.
الرواية هي صراع متصاعد بين الخير والشر، التدين الزائف والتدين اليقيني، الحق والباطل، اليقين والغرور، الدنيا بمغرياتها ولذاتها وشهواتها، والثبات على الدين والمبدأ والقيم وطلب النجاة والسير في طريق الحق طلبا للنجاة في الدنيا والآخرة.
وهكذا رسم الروائي عبد الرحيم درويش شخصيات روايته بعناية فائقة، لتعبر في تفاصيلها عن هذه العوالم المتصادمة، فهذا حارث ضابط الشرطة المستقيل من عمله، المسكون بالشيطان الغارق لذقنه في شهواته وملذاته الذي يبيع كل شيء من أجل متعته ومصلحته الشخصية، مقابل رؤوف الموظف البسيط الذي يغويه شيطان زوجته فتتحكم فيه وتبيعه للنسوة راغبات المتعة وبعضهن من قلب السلطة والحكم.
يتصاعد الخط الدرامي في الرواية بشكل يكشف تناقضات المجتمع المصري خلال عامين، في الفترة من 2011 حتى 2013 التي أحسب أنها زمن وقوع أحداث الرواية، ويبدع الروائي في وصف شيطان حارث الذي لا يلقي السلام على البشر ولا يبدأ بسلام على الطعام، ويعادي قراءة القرآن التي تصم أذنه ويقاطع الصلوات والمساجد، ويعاشر النساء بلا حدود، فضلا عن قذارته ورائحته الكريهة التي تعافها النفس والتي أفرط الكاتب في وصفها مخصصا لها ثلاث صفحات تقريبا من روايته.
يخطب الحارث خديجة نزولا عن رغبة الأم التي تحتضر بينما يعشق أميرة ويغازل سعدية العاهرة ويتودد لسمر ابنة الخال الطامع في ميراث أخته على فراش الموت، في وقت يتزوج رؤوف بطل الرواية الحقيقي من الشيطان صافيناز، امرأة تعرف كيف تبيع جسد زوجها لمن يدفع أكثر من سيدات المال والأعمال ومجتمع السلطة والنفوذ والفساد، ويظل رؤوف يقاوم فكرة بيعه من سيدة لأخرى مقابل توظيفه في وزارة المالية تارة، وحصوله وزوجته على شقق سكنية – كانت مخصصة لمشاريع إسكان الشباب – من الساقطة شاهينازهانم الشوربجي المسؤولة بوزارة الإسكان، وصولا لحرم وزير المالية فحرم رئيس الوزراء، وهنا يرتبك الخط الدرامي، بين الواقع والخيال، ويلتبس على الكاتب نفسه، إلا أنه يفلت ببراعة من هذا الالتباس، في لحظات تنوير وذروة تنهض فيها مصر، وينهض رؤوف من كبوته، ويرفض بيعه في سوق النساء، ويتطهر من أدرانه، ويترك سيدات المجتمع المخملي وينفذ بجله ليبدأ من جديد يعود كعودة الروح التي دبت في مصر منفضة عنها غبار سنة حكم الإخوان، ويتزوج بخديجة الخطيبة السابقة للضابط الفاسد حارث.
تتضمن الرواية العديد من المفارقات القيمية التي تناولها درويش ببراعة أدبية نادرة، حيث رصد التحولات التي ضربت نماذج من الشخصيات المصرية، فوالد حارث الضابط الفاسد الحاج عبد الجبار الذي لم يصل في حياته مرة، يتحول صوب الإخوان وينضم لحزبهم، والمنحرفة صافيناز تعد العدة للانضمام لهم وتطمح لأن تصبح نائبة في البرلمان، وتنتهي الرواية بمقتل الفساد والشر ممثلا في حارث الذي أفقد فتاة جامعية أعز ما تملك ولما تبرأ منها، أردته أمها قتيلا طعنا بالسكين، فيما تسدل العدالة ستارها على الشيطان صافيناز التي هربت بأموال بيع زوجها إلى سويسرا إلى أنها تسقط في يد الانتربول.
الرواية قطعة أديبة بديعة حافلة بالأحداث، ومتأثرة بالنزعة الدينية للكاتب، تحاكي في روعتها وأسمها المسرحية الفريدة لأحد أبرز مفكري العصر الدكتور مصطفى محمود الذي قدم للوسط الأدبي مسرحيته الشهيرة « الشيطان يسكن في بيتنا».
والروائي الدكتور عبد الرحيم درويش يعمل أستاذا للإعلام بجامعة دمياط وسبق وصدرت له عدة روايات منها، نفوس متمردة، النزيل الجديد، اسمي رباب، الغيبوبة، ثلاثية سارة العسكر وأصداء الخيال، اثنان أربع ستات، الشيطان يسكن بيتي، وصدرت له مجموعتان قصصيتان هما أميرة في الخيال، صديقي الوزير.