نوافذ: الحوكمة .. بعيدٌ منالها

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –

تنجز البشرية؛ على اختلاف مشاربها وبيئاتها؛ حمولة مقدرة من الإنجاز الكمي والنوعي على مختلف الأنشطة الإنسانية، وذلك انعكاسا لتجارب مرت بها، وخبرات اكتسبتها، ومعارف متراكمة تحصلت عليها، كل ذلك رافقه جهد خلاق، وسهر، وتخطيط، واخفاقات، وبرامج وخطط واستراتيجيات، وبهذا ينظر إليها اليوم بكثير من التقدير لما انتجته على أرض الواقع، وبما يشفع لها عن بعض الأخطاء التي يحدثها بعض أفرادها بقصد وبغير قصد، نتيجة تجاذبات نفسية، وذاتية، أو أنها خارجة عن منظومة التخطيط والبرمجة المعتمدة، وهذه الصورة تنطبق على كل السياسات سواء على مستوى مفهوم الدولة بمؤسساتها، أو على مستوى مفهوم بفرديتها، سواء مؤسسة العمل، أو مؤسسة الأسرة، لأنه في نهاية الأمر، أن في كلا المؤسستين هناك أفراد يتعاطون فيما بينهم مختلف الأدوار، ويتناقلون فيما بينهم مختلف المسؤوليات، ويتصادمون فيما بينهم؛ انطلاقا لمفهوم المصلحة الذاتية.
السؤال المطروح: من يحكم كل هذا الـ «رهط» من الوقوع في مختلف الأخطاء؛ وإن كان هذا الأمر مستحيلا؛ أو على الأقل التقليل من الأخطاء، لأن استمرارا الخطأ يتحول إلى «خطيئة» وهناك فرق كبير بين الخطأ والخطيئة، فإذا تم تجاوز حدوث الخطأ؛ بنتائجه، فلا يمكن تجاوز نتائج الخطيئة، لضررها الكبير على الجميع، من حيث انتهاك الحقوق، والتعدي على الآخر، والانتقاص من حقه، ولذلك وفي كلا الحالتين لا بد من وجود الحاكم او المنظم الذي يضبط مساري الخطأ والخطيئة، وهذا الضابط هو الذي يتداول اليوم كثيرا عبر وسائل الإعلام وهي الـ «حوكمة» التي تأخذ بها مؤسسات الدولة ككل في القطاعين العام والخاص، ولعل القطاع الخاص أكثر إلحاحا لتحقيق الحوكمة، لأنه قطاع قائم على الربح والخسارة، وقائم على اسهم تتداولها أسواق الأسهم، والمساهمين يهمهم كثيرا أن تكون الشركة التي ادخروا فيها نقودهم ومدخراتهم، في أسهمها، أن تكون متميزة، ووفق نظم وأسس لا تقبل المراهنة على تجربة الخطأ والصواب، حيث يسعى الجميع إلى الربح والربح فقط.
ولذلك ينظر إلى قدرات المؤسسات في كلا القطاعين من خلال هذا الضابط الذي يراعي حقوق المالك، وحقوق الملاك، لأن الإخلال في مقوماته وهي عديدة: تبدأ من مجموعة الأسس والمعايير والنظم التي تنظم العلاقة بين الطرفين، مرورا بمجموعة من العلاقات القائمة بين المؤسسة والمؤسسات الأخرى، ومجموعة المتعاملين معها من الجمهور، والمتحصل الكلي من مجموعة النتائج التي تفرزها المؤسسة من خلال اشتغالها اليومي، وتقييم الصورة بشموليتها على كل المؤسسات في القطاعين، معناه وجود ضعف في هيكلة هذه المؤسسة أو تلك، والإخفاق في مؤسسة ما من مؤسسات أي قطاع ينظر إليه بالكثير من الأهمية، ويقيم على أساسها إنتاج المجموع، ومن يعتقد بغير ذلك يحتاج إلى كثير من التركيز، والى كثير من القراءات لما يدور حوله، وحول العالم ككل، خاصة اليوم في ظل وجود المعايير الدولية لكل نشاط إنساني: سواء اقتصادي، أو اجتماعي، أو سياسي، او ثقافي، فالمسألة موضوعة في كفتي الميزان، وتتقاسم هاتان الكفتان نتائج هذا التقييم، إيجابا أو سلبا.
المتحقق المعرفي الذي نعيشه، وفي ظل هذه الثروة الاتصالية، لم يعد مثل هذا الأمر مخفيا على أحد، كما أنه لم يعد مخفيا الحلول في حالة وجود خلل ما في معززات الـ «حوكمة» والمسألة كذلك ليست لغزا محيرا لاستقصاء أسبابها في حالة عدم تحققها على مستوى أية مؤسسة، لما تضمه مختلف المؤسسات من كوادر مؤهلة ومدربة، وبما تحتويه من أجهزة حديثة قادرة على قياس الأداء بصورة محايدة، خالية من كل المشاعر والعواطف، وهذا ما يعزز نماء الـ «حوكمة» وقدرتها على تغيير مسارات مهمة في مفهوم العلاقة بين العامل ومؤسسته، ربما يقيم البعض على أن تحقق الـ «حوكمة» معناه الوصول إلى المثالية، وهذا يدخل ضمن المستحيلات؛ أقول: ربما.