جولة بومبيو هل من نتائج حاسمة؟

عوض بن سعيد باقوير – صحفي ومحلل سياسي –

التحرك الدبلوماسي الأمريكي للمنطقه العربية والذي بدأ أمس الثلاثاء بزيارة وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو للعاصمة الأردنية عمّان تكتسب أهميه خاصة من خلال القضايا والتي سوف تكون مدار بحث مع الدول التي سوف يزورها وهي دول مجلس التعاون الخليجي والأردن ومصر.

ويأتي هذا التحرك الأمريكي في الوقت الذي تشهد فيه المنطقة تحديات حقيقية، لعل في مقدمتها الخلاف مع إيران والأزمة الخليجية ومسألة الانسداد السياسي لعملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين علاوة على موضوع الإرهاب والتحالف المقترح من قبل واشنطن، كما ان تلك الزيارة تعطي مؤشرا على اهمية نجاح خطة السلام في اليمن والموضوع السوري في ظل تنامي التقارب العربي مع الدولة السورية.
الرئيس الأمريكي ترامب يواجه ضغوطا داخلية كبيرة مع مجلس النواب الذي يسيطر عليه الديمقراطيون وهناك التحقيقات التي يجريها المحقق الخاص موللر حول احتمالية التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2016 علاوة على الجدل الدائر حول إقامة الجدار مع المكسيك لمنع الهجرة على حدود الولايات المتحدة الجنوبية وهو الأمر الذي ادى الى إغلاق عدد من المؤسسات الحكومية الأمريكية، ومن هنا فان جولة وزير الخارجية بومبيو تكتسب أهمية من حيث إيجاد حلول لأزمات المنطقة خاصة الأزمة الخليجية.

الأزمة الخليجية

تدخل الأزمة الخليجية عامها الثاني بين دولة قطر من جانب والسعودية والإمارات والبحرين ومصر دون حدوث انفراج حقيقي رغم عقد قمتين خليجيتين في الكويت والرياض عامي 2017 و2018 ومع ذلك فان واشنطن تشعر بأن استمرار هذه الازمة لا يساعد على تطبيق الاهداف الاستراتيجية في المنطقة وفي مقدمتها وجود مجلس تعاون متماسك ومتعاون يستطيع ان يشكل جبهة سياسية موحدة، ولعل عددا من التصريحات الامريكية الاخيرة تشير الى اهمية انفراج تلك الازمة بين الدول الشقيقة وان يكون الحوار هو اساس حل الخلافات كما ان الولايات المتحدة ترى بأن استمرار الخلاف يصب في مصلحة إيران والتي تواجه عقوبات امريكية بعد إعلان الرئيس الامريكي ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي بين إيران والقوى الدولية، ومن هنا فان جولة بومبيو الخليجية سوف تركز على ضرورة إيجاد حل لهذه الازمة والتي أضرت بكل الأطراف خاصة على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي.
الاستراتيجية الأمريكية تتحدث عن ضرورة تغييرات في المنطقة فيما يخص إيجاد تحالف من خلال الحديث عن ترتيبات تشكيل تحالف الشرق الاوسط بهدف مواجهة تصاعد موجة الإرهاب بالمنطقة وايضا لمواجهة الطموحات الإيرانية، ولعل التساؤل هنا ماهو الغرض الحقيقي من اقتراح تشكيل هذا التحالف وماهي الأهداف غير المرئية الذي يهدف اليه ودور إسرائيل في هذا التحالف.
ان المنطقة مقبلة على سيناريوهات مقلقة خاصة على صعيد القضية الفلسطينية من خلال صفقة القرن والتي تهدف بشكل حاسم الى تصفية تلك القضية، كما ان التصعيد مع إيران سوف يخلق توترا شديدا قد يضفي الى احتمالية حرب مدمرة خاصة وان العقوبات على إيران واستمرارها لفترة طويلة قد يفضي الى مغامرة عسكرية غير متوقعة، ومن هنا فان الحل الأمثل للاستقرار والسلام في المنطقة هو ان يكون هناك تعامل سياسي موضوعي مع أزمات المنطقة وهو حل الأزمة الخليجية من داخل المنطقة وليس من خلال تدخل أمريكي وثانيا إجراء حوار شامل مع إيران لحل كل الإشكالات العالقة علاوة على إنهاء الحرب في اليمن.

الأهداف الامريكية

الإدارة الأمريكية كما تمت الإشارة تعيش أوقاتا صعبة ويأتي التحرك الأمريكي بهدف خلق ديناميكية سياسية خارج واشنطن والتخفيف من الضغط الداخلي خاصة من الكونجرس ووسائل الإعلام الأمريكية، ومن هنا فان الأهداف المعلنة لجولة بومبيو تمت الإشارة اليها في بيان وزارة الخارجية الأمريكية وهي التطرق مع قادة المنطقة الى القضايا والخلافات بين دول المنطقة خاصة الازمة الخليجية والحرب في اليمن، ومع ذلك فان الحديث عن القمة الخليجية مع البيت الابيض في واشنطن في الربع الاول من هذا العام وجولة بومبيو الحالية في المنطقة تعطي مؤشرات على ان موضوع التحالف الشرق أوسطي المقترح سوف يكون احد المحاور الاساسية للنقاش خلال تلك الجولة، علاوة على التمهيد للقمة الخليجية مع الرئيس ترامب خلال المرحلة القادمة ولعل تلك الجولة الدبلوماسية الأمريكية والتي تشمل ثماني دول عربية تعطي إيحاءً بان هناك قواسم مشتركه للحوار ولكن هناك خصوصية لكل دولة فيما يخص القضايا السياسية والتي سوف يبحثها بومبيو مع قادة تلك الدول.
هناك موضوع مهم وهو قطاع الطاقة وموضوع الأسلحة وهي قضايا حيوية للولايات المتحدة وكما نعرف بأن الرئيس الأمريكي ومن خلال تصريحاته وتغريداته يطالب دول الأوبك بزيادة الإنتاج حتى تنخفض الأسعار وهو الأمر الذي حدث خلال الشهور الاخيرة وفقدت الأسعار اكثر من أربعين في المائة، كما أن موضوع بيع الأسلحة يواجه تشريعات منتظرة من الكونجرس قد توقف او تحد من تصدير السلاح لبعض دول المنطقة لارتباط ذلك بالحرب في اليمن.

الأمن الاقليمي

قضية الأمن في المنطقة من القضايا الاستراتيجية للمصالح الامريكية ولعل موضوع التحالف الشرق أوسطي يدخل في هذا الإطار، ولعل من ابرز أهدافه هو إشراك إسرائيل في هذه المنظومة الامنية وبالتالي إضفاء الصبغة الشرعية علي الكيان الإسرائيلي وهذا أمر في غاية الخطورة، حيث ان ذلك قد يمهد لتنفيذ المقترحات الأمريكية للسلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين وهو الأمر الذي لن يكتب له النجاح لأن الطرف الآخر في المعادلة هو الشعب الفلسطيني وحتى القيادة الفلسطينية والعرب والذين يرون ان المبادرة العربية التي أقرتها قمة بيروت عام 2002 وقرارات الشرعية الدولية هي الحل العادل والشامل للقضية الفلسطينية من خلال إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة على حدود الرابع من يونيو عام 1967وعاصمتها القدس الشرقية.
وفي تصوري بأن اي ترتيبات للأمن الإقليمي تستثني إيران لن يكتب لها النجاح حيث ان هذه الأخيرة وبصرف النظر عن الخلاف مع بعض توجهاتها في المنطقة تبقى دولة جارة يمكن الحوار معها والتوصل الى قواسم مشتركة معها.
لقد كانت جهود السلطنة ومن خلال حكمة جلالة السلطان المعظم – حفظه الله – واضحة من خلال التنبؤ المبكر لإيجاد سياج امني وسياسي يحفظ مصالح المنطقة ودولها وشعوبها من خلال اجتماع وزراء خارجية دول الخليج في مسقط عام 1976 والذي توج بإعلان مسقط، ومن هنا فان الرؤية العمانية تبقى هي الاساس في اطار اي ترتيبات امنية تكون إيران جزءا منها وان موضوع الأحلاف لا يساعد على استقرار المنطقة ويثير الريبة والشك على الأقل من جانب إيران وحتى تركيا وقوى اقليمية أخرى، ومن هنا فان المنطقة بحاجة الى استلهام الماضي وإيجاد منظومة تتسق والمخاطر المحدقة بالمنطقة، وان شن الحروب والصراعات خلال العقود الثلاثة الأخيرة قد اثبت فشله حيث تعرضت المنطقة ومقدراتها لأضرار كبيرة وفي مقدمتها البيئة البحرية بسبب حروب الخليج المتعددة في عقد التسعينات من القرن الماضي.

مؤشرات إيجابية

تحدثنا في مقال سابق على ان العام الجديد قد يشهد انحسار عدد من أزمات المنطقة خاصة في سوريا واليمن وحتى على صعيد الأزمة الخليجية وفي ذلك مصلحة لشعوب المنطقة وإيجاد مناخ إيجابي يساعد على إعادة الإعمار ورجوع ملايين من اللاجئين السوريين الى وطنهم، ولعل الوضع في سوريا يتجه الي إنهاء الأزمة السورية بعد حل الإشكال الكردي في شرق الفرات وهو أمر ممكن الحدوث.
الحرب في اليمن وصلت الي نتائج كارثية لم يتوقعها حتى الفرقاء المشاركون في الحرب، وعلى الصعيد الانساني لم تعد اليمن تحتمل المزيد من الكوارث ولعل جولة بومبيو ودور الكونجرس الامريكي والضغوط المتواصلة على الفرقاء قد أثمرت عن مشاورات السويد والتي يبذل من خلالها المبعوث الاممي مارتن جريفيث دورا كبيرا وبمساعدة سياسية ولوجستية من السلطنة ودولة الكويت الشقيقة.
ان جولة وزير الخارجية الامريكية مايك بومبيو لها أهداف مختلفة تمت الإشارة اليها ومن المهم ان تكون هناك قناعات راسخة لدى دول المنطقة بأن الاستمرار في خطط الماضي لم تعد ممكنة وان إيجاد مسار آخر لإنهاء الخلافات والأزمات هو المسار الصحيح، وقد يكون هناك طرح أمريكي في هذا الإطار ومن هنا فان الحكمة والموضوعية تحتم إيجاد خيارات اخرى عندما يظهر بان الخيارات التي تم تنفيذها لم تكن سوى كوارث على المنطقة وشعوبها وان الطموحات غير المنضبطة لم يعد مكانها عالم اليوم حيث ان الامبراطوريات في الشرق والغرب على حد سواء قد ولى عصرها واصبح هناك التعاون والحوار من خلال المنظمات الدولية وفي مقدمتها الأمم المتحدة وان النواميس الدولية لا تسمح بتلك التمنيات والطموحات التي تتعارض مع القوانين الدولية وموضوع تصفية الاستعمار من العالم. ان الجولة الأمريكية تعد هامة على كافة الجوانب، والمهم أن تتحد دول مجلس التعاون وبقية الدول العربية لمجابهة المخاطر الحقيقية والتي تتحدث عنها عدد من مراكز البحوث والدراسات الاستراتيجية في واشنطن ودوائر صنع القرار في الغرب.