تواصل: ذئب في الجوار!!

تونس المحروقية –
hlaa202020 @ –

■ مشهد أول :
يفتح حسابا في موقع «صراحة» الإلكتروني الذي اشتهر بأنه يسمح للمستخدمين بمصارحة صاحب الحساب بما يريدون قوله دون أن يضطروا لكشف هوياتهم، يخبر متابعي حسابه في فيس بوك أنه قد فتح حساباً في هذا الموقع الشهير وأنه في انتظار مصارحتهم ومكاشفاتهم له مرحباً بالنقد البناء الذي قد يضيف لمسيرته العلمية والعملية والتي يؤمن أنها كانت مكللة بالاجتهاد والنجاح! يبدأ في استقبال عبارات الثناء من بعض المستخدمين فيفرح ثم تصله عبارات من شاكلة: «هل تعتقد أنك ناجح، أنت مجرد متسلق وانتهازي»، ورسالة أخرى: كم وددت منذ زمن أن أخبرك أنك أحمق، ووجهك مستفز وابتسامتك بشعة جداً «ورسالة أخرى» «حسابك في فيس بوك يشبه ضحالتك» ثم أخرى «هل لك أن تريحنا من وجود حسابك في فيس بوك الذي يشبه وجهك المستطيل!» وأخرى: «هل طالعت الندبات البارزة في وجهك قبل أن تفتح هذا الحساب» يقرأ كل هذا وغيره من عدائية الألفاظ ثم يقرر أن يغلق حسابه في موقع صراحة للأبد!
■ مشهد ثانٍ:
أصيبت بمرض البهاق الجلدي منذ طفولتها، عانت كثيرا من تصبغ جلدها بين بياض سببه البهاق واسمرار لون البشرة الأصلي، كانت تميل للعزلة وعدم مخالطة الناس كي تتجنب الاستهزاء بشكلها، لكنها قررت عندما أصبحت في الثالثة والعشرين من عمرها أن تفتح حسابا في انستجرام، تنشر فيه في كل يوم صورة لها والسعادة تبدو ظاهرة على محياها، وكأنها تقول للجميع: أنا سعيدة ولا يوجد في شكلي ما يدعو للعزلة والحرج من مرض جلدي عادي قد يصاب به أي شخص، انتشر حسابها جداً وبدأ من يقول لها: لو كنت مكانك ما كنت لأتجرأ أن أضع هذه الصور، هل أنت فخورة بشكلك المريع هذا ؟وآخر: «عرفنا أنك متصالحة مع مرضك هل لك أن تتوقفي عن إزعاجنا اليومي بصورك المخيفة، «اللهم لا تبتلينا»! وثالث: اذهبي للمطبخ وتعلمي إعداد الطعام لأسرتك بدلاً من التقاط الصور،إن كان منها من سيقبل أن يأكل من يديك المتلونة ثم يضع أيقونة ضحك وكأنه قال طرفة! تواصل الفتاة نشر صورها وذلك بعد أن تحذف ميزة إمكانية كتابة التعليقات على المنشور !
■ مشهد ثالث:
حساب وهمي في تويتر لا يدل على هوية صاحب الحساب، فصورة الحساب تحوي وردة جميلة والاسم عبارة عن لقب يستخدمه مستخدمو المنتديات الإلكترونية في نهاية التسعينات من القرن المنصرم، صاحب هذا الحساب لا ينشر منشورات في حسابه، هو فقط يستهدف الرد على الناجحين بالاستهزاء بهم والتقليل من قيمتهم واستخدام كلمات بذيئة في نعت أشكالهم ونجاحاتهم والمكتوب في منشوراتهم، ثم عندما يسأله أحد لماذا يفعل ذلك يقول: هذه حرية تعبير وأنا لي أن أعبر عن رأيي بالشكل الذي أريده!
إن وسائل التواصل الاجتماعي التي أتاحت القرب بين مستخدميها الذين لا تربطهم قرابة واقعية وذلك قد يكون لأسباب عديدة منها أن يتعلموا من تجارب بعضهم البعض ويستفيدوا منها بما قد يخدم حياتهم هي نفسها التي منحت المستخدمين فرصة إضافة تعليقاتهم على كل ما يشاهدونه من منشورات، تلك التعليقات المشجعة والأخرى التي تناقش الفكرة وقد تغوص معها لأعماق أوسع وغيرها المستوضحة عن فكرة المنشور، أو حتى التعليقات العدائية في ألفاظها والتي قد لا يكون لها أساس غير رغبة المستخدم في إحداث الإيذاء النفسي لصاحب المنشور في وسائل التواصل الاجتماعي وهذا ما يطلق عليه في تلك المنصات بالتنمر الإلكتروني وهو كما تعرفه بعض مؤسسات الطب النفسي استغلال الإنترنت والتقنيات المتعلقة به في أحداث إيذاء نفسي للأشخاص بطريقة تبدو متعمدة وقد تكون متكررة والتي غالباً ما تكون باستخدام الألفاظ العدائية وقد تحدث ممن يشعر أنه أقوى تجاه الأضعف، وهناك العديد من الدراسات العلمية التي خلصت إلى أن المرأة هي أكثر من يتعرض للتنمر في وسائل التواصل الاجتماعي ربما ذلك بسبب بعض الأفكار المجتمعية التي ترى أنها الحلقة الأضعف في مختلف المجتمعات.
يرى المتنمرون إلكترونيا أن تعديهم بالألفاظ النابية والعدائية هي جزء من حريتهم في التعبير التي لم يتجاوزها حتى ولو كانت تعليقاتهم تلك مسيئة لأنهم يؤمنون بأن من يقرر أن ينشئ له حسابا في تلك المنصات فعليه أن يتحمل كل شيء، يظلون يتابعون ضحيتهم ويضايقونها باستهدافهم لها وحتى في حالة حظرهم ينشئون حسابات أخرى لمواصلة عدائيتهم، وهنا قد يأتي سؤال: لماذا يتابعونهم ويهتمون بأمرهم وهم لا يحبونهم؟ فهناك قاعدة بسيطة في وسائل التواصل الاجتماعي يتداولها المستخدمون أنه إن كان هناك حساب ما يضايقك بشخصية صاحبه أو بمحتواه الذي يقدمه فأنت لست مضطراً لمتابعته وأن أبسط ما يمكن أن تفعله هو إلغاء المتابعة.
إن التنمر الإلكتروني يسبب إيذاءً بالغا للأشخاص الذين يتم استهدافهم حتى لو أنكروا هم أنفسهم شعورهم بذلك الإيذاء الذي يتواصل ويتكرر وقد يكون من متابعين غرباء لا تربطهم بهم علاقة، وهذا لا يحدث لسبب منطقي إلا ربما لأنهم الأضعف أو لاختلاف المحتوى الذي يقدمونه عن المعتاد فالمتنمر إلكترونيا هو بمثابة ذئب كان محجوزاً في مكان مسور بسياج قبل ظهور العوالم الافتراضية وفجأة بدون مقدمات قفز أعلى السياج وبدأ يهدد الجميع بأنيابه المستعدة للافتراس!