آفاق العمل الوطني والتنمية البشرية

عوض بن سعيد باقوير – صحفي ومحلل سياسي –

لعبت الخطط الخمسية منذ منتصف السبعينات من القرن الماضي دورا حيويا في التنمية الشاملة التي تشهدها السلطنة في كل المجالات ومن خلالها اتضح مفهوم الدولة العصرية التي تحدث عنها جلالة السلطان المعظم في خطابه الأول عام 1970 ومن هنا يمكن القول بأن التنمية بشكل عام تركزت على المحورين المادي والإنساني باعتبار ذلك يشكل المنظومة التنموية للسلطنة.
ونحن نقترب من العقد الخامس من فجر النهضة المباركة فإن التحديات التي تواجه التنمية المستدامة قد تم رصدها من خلال الاستعداد الجدي لرؤية عمان 2040 والتي تشكل المفهوم الكلي لما ينبغي أن تكون عليه التنمية المستدامة خلال العقدين القادمين، ومن هنا فإن المؤتمر الوطني للرؤية المستقبلية والذي سوف يعقد خلال هذا الشهر يشكل أهمية من خلال الرؤى الفكرية والمعطيات والتي سوف تكون مدار نقاشات وحوارات وأوراق عمل من الخبراء من داخل السلطنة وخارجها.

القدرات البشرية

من خلال نماذج التجارب التنموية التي شهدها العالم خلال العقود الأخيرة وبالتحديد ما بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية نجد أن الاعتماد على القدرات البشرية الوطنية كانت العامل الحاسم في نجاح تلك التجارب علاوة على الإدارات الذكية، التي كان لها الدور المحوري في انتقال تلك التجارب إلى مستويات تنموية مشهودة خاصة دول جنوب شرق آسيا على وجه التحديد.
ومن خلال مختبرات وحدة تنفيذ والتي شاركت فيها المنظومة الوطنية فإن السلطنة، قد اطلعت على عدد من تلك التجارب ومن ضمنها التجربة الماليزية، ومن هنا فإن التنمية المستدامة تحتاج إلى رؤية واضحة وقابلة للتطبيق وفق الإمكانات البشرية والموارد الطبيعية.
وهذا ما تجتهد عليه السلطنة حاليا بعد أن قاربت البنية الأساسية في البلاد على الاكتمال، وبالتالي الانتقال إلى منهجية استدامة تلك البنية واستمرارها وتطويرها على أسس صحيحة تأخذ بعين الاعتبار النمو الديموغرافي والتطورات السياسية والاقتصادية والتحديات التي تواجه الأمم والمجتمعات.
ولعل تواصل تجويد التعليم يعد من الأولويات الأساسية لأنه المدخل الأساسي الذي اعتمدت عليه كل تلك التجارب الناجحة في دول جنوب شرق آسيا وحتى أوروبا والولايات المتحدة بعد الثورة الصناعية الأولى والثانية والثالثة، ونحن نعيش حاليا مقدمات الثورة الصناعية الرابعة وعلى ضوء ذلك فإن التحديات الحقيقية لأي تنمية مستدامة لا تعتمد على الموارد الطبيعية فقط رغم أهميتها ولكن على حسن وإدارة تلك الموارد من ناحية وأيضا من خلال كوادر بشرية ذات نمط تفكير إبداعي متقدم وذات رؤية تخطيطية مبتكرة لإيجاد الحلول لتلك التحديات.

الخطط الخمسية

كما تمت الإشارة لعبت الخطط الخمسية المتواصلة دورا تنمويا مهما وهي لا تزال من خلال الخطة التاسعة والتي تنتهي خلال العام القادم لتفسح المجال لانطلاق رؤية عمان 2040 والتي تستهدف التنمية المستدامة وفق محاور واضحة تعتمد على الموارد الطبيعية والبشرية وأيضا إدارة تلك الرؤية بطريقة مبتكرة.
إن الوصول إلى الطموحات الوطنية من خلال أي رؤية تحتاج إلى تطبيقات مبتكرة تبتعد عن التقليدية في عالم يتسم بالتنافسية والصراعات السيو-استراتيجية والسرعة في الإنجاز، ومن هنا فإن السلطنة ومن خلال خططها ورؤيتها القادمة لا بد وأن تستغل كل الممكنات من خلال القطاعات الواعدة كقطاع السياحة والذي ينبغي أن يكون من أهم القطاعات الإنتاجية ومنجم حقيقي لتوفير فرص العمل وإيجاد الشركات الصغيرة والمتوسطة في هذا المجال.
كما أن قطاع التعدين يعد من القطاعات الأساسية والتي لم تستغل بشكل مثالي حتى الآن، ولعل هذا القطاع أن استثمر بشكل صحيح سوف يلعب دورا كبيرا في تنمية الاقتصاد الوطني والمساهمة الفعالة في الناتج الإجمالي المحلي ويبدو أن هناك خططا في هذا الإطار حتى يلعب هذا القطاع دوره في مجال الاستدامة التنموية.
القطاع السمكي أيضا ثروة حيوية في البحار العمانية وهناك مؤشرات واعدة في هذا القطاع من خلال الأرقام الأخيرة، ومن خلال المزيد من تنشيط هذا القطاع والاستثمار فيه فإن النمو سوف يتضاعف في ظل الميكنة الحديثة والتطور التقني الذي طرأ على تحديث هذا القطاع.
كما أن قطاع الخدمات اللوجستية يعد من أهم القطاعات الواعدة خاصة في مجال النقل والموانئ في ظل موقع استراتيجي مهم تتمتع به السلطنة على سواحلها الشمالية والجنوبية، حيث بحر عمان وبحر العرب والمحيط الهندي وفي ظل تلك التحديات الاقتصادية التي يعيشها العالم فإن المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم سوف تكون القاطرة الاقتصادية للسلطنة خلال السنوات القليلة القادمة من خلال المكونات الاستراتيجية للمنطقة ونمو الاستثمارات ووجود المناخ الذي يساعد على انفتاح المنطقة على العالم من خلال البحار المفتوحة.
وهناك مجالات تعد استراتيجية فالسلطنة سوف تواصل الاعتماد على قطاع النفط والغاز لسنوات باعتبارهما المحرك الأساسي للدخل القومي، ومع ذلك فإن الرؤية القادمة لا بد أن تضع في الاعتبار أهمية تقليل الاعتماد على النفط والغاز وتحريك عدد من القطاعات التي تمت الإشارة إليها ومن هناك تكون الاستدامة قد تحققت وبالتالي تكون تقلبات أسعار النفط من عدمها متغيرا لا يؤثر على الاقتصاد الوطني وبالتالي تواصل التنمية.

القدرة التنافسية

هناك تحديات حقيقية على أرض الواقع والتي تحتاج إلى مواجهة واقعية حتى تستمر التنمية المستدامة، ولعل تحريك تلك القطاعات غير النفطية سوف يوجد قطاعات أساسية تسد فجوة التحدي الأهم وهي توفير فرص العمل للجيل الحالي والأجيال القادمة، ومن هنا فإن أي تخطيط مستقبلي على المدى المتوسط والبعيد لا بد أن يضع هذه الفرضية أمامه.
صحيح أن سكان السلطنة ليس كبيرا بل هو محدود ولم يصل إلى 3 ملايين نسمة، ومع ذلك فإن تنشيط الاقتصاد والاستثمار والتخلص من البيروقراطية، والاستغلال الأمثل للموارد البشرية والطبيعية، وموقع السلطنة المثالي في مجال التجارة الحرة وقرب الأسواق هو الذي سوف يحرك نمطية الاقتصاد التقليدية ويفتح آفاقا جديدة وفرص العمل للشباب.
لا شك أن السلطنة قد سجلت تقدما ملحوظا في مجال التنافسية العالمية خلال العام الماضي ولكن من المهم أن نعترف بأن هناك تحديات سيو-استراتيجية ليست بعيدة عن السلطنة علاوة على وجود الطموحات غير المنضبطة في المنطقة ومن هنا فإن الرؤية المستقبلية تعد ركيزة أساسية لصناعة مستقبل واعد بتنمية مستدامة.
التجارب الآسيوية تحديدا كانت أمامها تحديات كبيرة وكان معظمها خارجا من حروب أهلية وإقليمية مدمرة ولعل دول مثل اليابان والفلبين وكوريا وانفصال سنغافورة عن ماليزيا والحرب في فيتنام قد عانت الأمرين، ومع ذلك كانت الإرادة الوطنية كبيرة للخروج من واقع بائس إلى دول تقارع اقتصاديا الدول الغربية.

تجويد التعليم

إن تجويد التعليم هو من الأدوات الأساسية التي مكنت حتى الدول الاسكندنافية مثل النرويج وآيسلندا والدنمارك والسويد في تسجيل التطور الأهم على مستوى التعليم، وتعد تلك الدول ذات مستوى معيشي متقدم على مستوى العالم، ومن هنا فإن تطوير التعليم سوف يظل الركيزة الأساسية والتي من خلالها تتقدم الدول في مجال التنمية البشرية، وهذه الأخيرة هي التي صنعت في القرن العشرين أهم اقتصاديات عدد من دول العالم وهناك دول إفريقية حاليا في المسار نفسه، وتعد رواندا هنا أنموذجا مثاليا بعد حرب أهلية طاحنة أزهقت من خلالها أرواح أكثر من مليون إنسان.
إن التنمية المستدامة في السلطنة تحتاج إلى الجهود المشتركة من المنظومة الوطنية، وقد اتضح ذلك من خلال المشاركة المجتمعية الواسعة في حوارات ونقاشات وحدة تنفيذ وأيضا من خلال مختبراتها المتواصلة، كما أن رؤية عمان القادمة سوف تشكل المدخل الأساسي نحو تحقيق النقلة النوعية للسلطنة في مجال التنمية المستدامة وصناعة المستقبل للأجيال الحالية والقادمة.