الإنسان العماني .. السلاح الفاعل في ديمومة التنمية

د.أحمد سيد أحمد –

وتركز الخطة الخمسية التاسعة على رفع مساهمة القطاعين التجاري والصناعي في الناتج المحلي الإجمالي للسلطنة، ودعم جهود التنمية الاقتصادية المستدامة.

ترتكز فلسفة التنمية العمانية بشكل خاص والتنمية المستدامة بشكل عام على أن الإنسان العماني هو السلاح الفاعل في ديمومة التنمية في البلاد، ودعامة التطور فيها، كما يؤكد دائما جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم، فالفرد هو الغاية من التنمية وهو أداتها الأساسية، ويسير قطار النهضة العمانية منذ عقود على دعامات أساسية محورها الفرد وتوظيف الموارد البشرية والطبيعية وتسير وفق خطط ممنهجة لضمان التراكم والتقدم والإنجاز المتواصل ووجود آليات للمتابعة لإزالة العقبات وضمان تحقيق الأهداف.
ولعل أبرز مميزات وخصائص التجربة التنموية والنهضوية العمانية هو أن ترتكز على تحقيق التنمية المستدامة التي يمكن تعريفها بأنها التوافق بين استهلاك الفرد للموارد الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ضمن الطاقة الاستيعابية للبيئة مع ضمان ديمومتها للأجيال القادمة. حيث حققت السلطنة طفرات كبيرة في مجال التنمية المستدامة داخليا وعالميا وحيث حلتّ السلطنة في المركز السابع عربياً، والمركز 94 عالمياً على مؤشر أهداف التنمية المستدامة لعام 2018 والذي يصدر عن مؤسسة برتلسمان، بالتعاون مع شبكة حلول التنمية المستدامة والذي يشمل 156 دولة.
وتشتمل مقاييس مؤشر أهداف التنمية المستدامة على 17 هدفاً، وفقا لاستراتيجية الأمم المتحدة للتنمية المستدامة 2030 وهي القضاء على الفقر والجوع، وتحقيق الصحة الجيدة والرفاه، والتعليم الجيد، وتحقيق المساواة بين الجنسين، وتوفير المياه النظيفة والنظافة الصحية، وتمكن الدول من الحصول على الطاقة النظيفة وبأسعار معقولة.
كما شملت الأهداف أيضاً تحقيق النمو الاقتصادي، والصناعة، والابتكار، والهياكل الأساسية، والحد من أوجه عدم المساواة، وإيجاد مدن ومجتمعات محلية مستدامة، والاستهلاك والإنتاج المسؤولين، والمساهمة الفعالة في العمل المناخي، والاهتمام بالحياة تحت الماء وفي البر، علاوة على تحقيق السلام والعدل، وإيجاد المؤسسات القوية، وعقد الشراكات لتحقيق الأهداف.
وعند تطبيق هذه المعايير على السلطنة نجد أنها حققت تقدما كبيرا فيها، فعلى سبيل المثال بالنسبة للابتكار العالمي فقد حلت السلطنة في المركز الـ69 في عام 2018 متقدمة عما كانت عليه بالمركز الـ77 في عام 2017.
ويصدر مؤشر الابتكار العالمي من المُنظمة العالمية للملكية الفكرية، ويقدّم المؤشر مقاييس مفصلة عن الأداء الابتكاري في 126 بلدا في جميع أنحاء العالم. وفيما يتعلق بالهدف الخاص بـضمان تمتع الجميع بأنماط عيش صحية وبالرفاهية في جميع الأعمار، فقد انخفضت معدلات الوفيات أثناء الولادة للعمانيات وفي المقابل ارتفعت نسبة الولادات الحية التي يشرف عليها أطباء أو موظفون صحيون مهرة، وبلغت 99.5% في عام 2016. كما تراجعت وفيات المرور 47%. وبالتالي وفقا للأرقام فقد حققت السلطنة إنجازات كبيرة في مجال التنمية الإنسانية والمستدامة خاصة خلال خطة التنمية الخمسية التاسعة 2016 -2020 ووفقا لمؤشر سهولة ممارسة الأعمال الاقتصادية لعام2017 كان ترتيبها 66 عالميا من 190 دولة والرابعة عربيا. ووفقا لمؤشر التنمية الإنسانية 2015 كان ترتيبها 52 عالميا من 188 دولة والسادسة عربيا. ووفقا لمؤشر تنمية الحكومة الإلكترونية 2016 كان ترتيبها 66 عالميا من 193 دولة والسادسة عربيا. ووفقا لمؤشر الأداء اللوجستي العالمي 2016 كان ترتيبها 48 عالميا من 160 دولة والرابعة عربيا. ووفقا لمؤشر الأمن الغذائي 2016 كان ترتيبها 26 عالميا من 174 دولة والسابعة عربيا. ووفقا لمؤشر تمكين التجارة 2014 كان ترتيبها 31 عالميا والثالثة عربيا. ووفقا لمؤشر رأس المال الإنساني 2013 كان ترتيبها 25 عالميا والرابعة عربيا.
هذه الأرقام والمؤشرات تعكس اهتمام القيادة العمانية بالإنسان العماني والعمل على تجويد نوعية الحياة للعمانيين في كافة المجالات خاصة المرتبطة بالاستثمار في الإنسان العماني كالصحة والتعليم وجودة الخدمات المقدمة له، فالاستثمار في عقل وصحة الإنسان هو أهم ثروة تمتلكها الشعوب، فالثروة البشرية هي المحرك والقاطرة للتنمية.
وقد شكل الاهتمام البيئة والحفاظ على عليها أهم مرتكزات تحقيق التنمية المستدامة من خلال تقليل نسبة التلوث والعوادم الناتجة عن السيارات والمصانع، كذلك التوسع في استخدام الطاقة المتجددة مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والكهرباء وغيرها، وتقليل الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية من النفط والغاز، وهذا التوجه يضمن تحقيق هدفين: أولهما الحفاظ على البيئة والثاني تنويع مصادر الدخل القومي من خلال التوسع في مصادر الدخل الأخرى من غير النفط والغاز في ظل تذبذب أسعار النفط العالمية التي ترتبط بعوامل خارجية مثل العرض والطلب ومعدلات النمو الاقتصادي العالمي وحالة الأمن والاستقرار السياسي في العالم وتأمين الممرات البحرية والحروب التجارية وغيرها.
الخطة التنموية العمانية التي تبنتها القيادة وتقوم على التنمية العقلانية المتدرجة والتي تمزج بين الأصالة والمعاصرة وتحويل عمان من دولة الرعاية الاقتصادية الى دولة الرفاه الاجتماعي، حققت طفرات كبيرة في مجالات الحوكمة وتحسين الأداء الحكومي والارتقاء بمستوى جودة الخدمات المقدمة للمواطن، وتوظيف التكنولوجيا الحديثة في تحقيق التنمية المستدامة وأهداف الأمم المتحدة 2030، حيث تتعاون السلطنة مع الأمم المتحدة ووكالاتها المختلفة وهو ما أشادت به المنظمة الدولية كثيرا.
ولا شك أن عام 2019 هو استمرار لمسيرة السلطنة في تحقيق التنمية المستدامة على كافة المستويات سواء في خطط التنمية الخمسية المتتابعة أو عبر المشروعات التنموية العملاقة في الدقم وصحار وصلالة عبر التوسع في التكنولوجيا الحديثة ومصادر الطاقة النظيفة والحفاظ على الموارد الطبيعية وضمان حقوق الأجيال المقبلة.
وتركز الخطة الخمسية التاسعة على رفع مساهمة القطاعين التجاري والصناعي في الناتج المحلي الإجمالي للسلطنة، ودعم جهود التنمية الاقتصادية المستدامة. وتستحوذ أنشطة تحقيق التنمية المستدامة على الجزء الأكبر من موازنة 2019 والتي تبلغ 33,5 مليار دولار، خاصة في قطاعات الصناعة والتجارة والسياحة والزراعة والمشروعات الجديدة، كذلك في مجال الخدمات المختلفة. وقد سعت الدولة لنشر ثقافة التنمية المستدامة لدى المواطنين حيث خصصت العديد من الجوائز للتنمية المستدامة منها جائزة السلطان قابوس للتنمية المستدامة في البيئة المدرسية، كذلك التعاون بين القطاع الحكومي والقطاع الخاص والشركات العمانية لالتزام بمعايير وأهداف التنمية المستدامة. إن تدعيم التنمية المستدامة العمانية في 2019 يتطلب العديد من الأمور:
أولا: دور الإعلام المرئي والمكتوب والمسموع في نشر ثقافة التنمية المستدامة لدى المواطنين والتوعية بأهمية هذا الجانب سواء في السلوكيات اليومية أو في إقامة المشروعات المختلفة. وشرح فلسفة القيادة العمانية في تحقيق تلك التنمية حتى يكون للمواطن دورا فاعلا في الحفاظ على البيئة ومساعدة الدولة في تحقيق أهداف التنمية المستدامة.
ثانيا: التوسع في مشروعات ريادة الأعمال التي تساهم في تحقيق التنمية المستدامة والتي تقوم على الابتكار والإبداع والحفاظ على البيئة والاستفادة من الموارد الطبيعية المختلفة.
ثالثا: أهمية تحقيق التوازن البيئي وضمان ألا تؤثر مشروعات التنمية والصناعات سلبا على البيئة.
ورغم أنه لا توجد حتى الآن دولة في العالم، بما فيها الدول المتقدمة تمضي بشكل كامل في تحقيق جميع أهداف مؤشر الأمم المتحدة للتنمية المستدامة بحلول 2030 إلا أن سلطنة عمان قدمت نموذجا فريدا يحتذى في تحقيق التنمية المستدامة لأنها ربطت التنمية الشاملة وخطط التنمية المختلفة والمتتابعة بأهداف التنمية المستدامة، كما ارتكزت على الاهتمام بالإنسان العماني في كافة المجالات وهو ما جعلها تحقق إنجازات كبيرة من ناحية ودفع الدول الأخرى والمنظمات الدولية والإقليمية إلى الإشادة بالتجربة العمانية والاستفادة من خبرتها في مجال التنمية المستدامة.