استدامة النماء وتلمس الآفاق

مع كل سنة جديدة أو دورة جديدة من دورات الحياة ومراحل العمل، فإن الكثير من التخصصات تنفتح باتجاه الاحتمالات والآمال الممكنة، لكن دائمًا فإن الصورة الواقعية والمحسوبة هي التي تنتصر، وهنا يكون الفرق بين شيء يقوم على علم التخطيط والمعرفة والإدراك المسبق عبر الاستشراف، وما يقوم على العشوائية وغياب النظام والخلل في حساب دقة الأهداف.
لقد بات عالم اليوم يتشكل عبر الاستراتيجيات الواعدة التي تبدأ بأفكار أو طموحات بسيطة ثم تتطور إلى برامج كبيرة ومشاريع، ثم يحال كل ذلك إلى واقع ملموس مع الوقت يستند إلى الإرادة والرغبة في تحقيق الهدف المعين. إن صورة الإنسان المعاصر، وتجليات الأمم والدول والشعوب، كل ذلك يتبلور عبر هذه الحسبة التي يجب أن توضع في الاعتبار بما يشكل مرآة للذات ومعرفة بالآخر، تكون ذات مصداقية ومحررة من الأوهام، فدائمًا ما تعمل الصور المتوهمة على قراءات غير صحيحة للواقع.
فنحن نعيش اليوم في عالم يقوم على الحساب والأرقام والأهداف والرؤى البعيدة، ولو اختلف المسار في أي لحظة أو تعدل الدرب لأي ظرف أو تحدٍ ما، فليس ذلك إلا لرغبة في بناء الأفضل والبحث عن الطرق الأكثر سعة.
هذه النظريات المتوارثة عبر التجربة الإنسانية، وعبر ممارسات الإنسان عبر القرون الطويلة، تشير بجلاء إلى أن رحلة النماء والازدهار والنماء المستدام وغيرها من المفردات في هذا الإطار، ينبغي أن تقوم على معانٍ واضحة وإيمان بالأهداف وسعي دؤوب باتجاه الإنجاز والعمل لتحقيق المقاصد.
وفي السلطنة فقد شكّلت عقود النهضة الحديثة مدرسة يجب الاستفادة منها في كيفية تلمس آفاق المستقبل بشكل أكثر ديمومة، بما يعظم المنافع ويساعد في تجاوز التحديات ويرسم بالتالي الأفق الأوسع لحياة طيبة يعيش فيها الجميع بهناء وسعادة وينشدون الطموحات المرتجاة.
ودائما فالفرصة تتجدد على مستوى الأفراد والجميع بأن يقوم بوقفة ومراجعة مع الذات في إطارها الشخصي وعلى مستوى العلاقات الاجتماعية والتقاطع مع الشأن العام، بما يخدم فاعلية الفرد وقدرته على الأداء والمساهمة الفاعلة في البناء الوطني والعطاء الإيجابي وبما يجعله رافدًا من روافد الأهداف الكبيرة للوطن، تلك الرسالة المستدامة والمستمرة في أن يكون الغد مشرقًا وحافلًا بالآمال وتحقيق الجديد من المنجزات. إن بناء الأوطان سيرة ومسيرة تتراكم عبر القرون والسنوات الطويلة، وفيها تكون التجربة مهمة وأساسية بالإضافة إلى الاستفادة من كل خطوة مشاها الفرد أو المجموع باتجاه ما هو أحسن، ولابد أن النقد الذاتي البنّاء والتفكير في التصورات الأعمق يجعل الإنسان يصل في النهاية للخيارات الأكثر سعة لصناعة المستقبل.
إننا في عصر كل ما فيه سريع ومحسوب حتى لو بدت بعض المظاهر الخارجية فوضوية، لكن في ظل نظام تقوم فيه الحواسيب والبرمجيات ودراسات استطلاع الرأي والمسوحات الاجتماعية والفكرية الخ.. فإن اليقين في الفرص لابد أن يكون مرتبطًا بإدراك هذا المحتوى العالمي المتجدد والعمل على المواكبة والتعايش مع صورة الوجود الإنساني مع التمسك بقيم الذات الأصيلة.