تركيا ومخاطر فتح جبهة عسكرية جديدة

سمير عواد –

فعل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان كل ما في وسعه حتى يُقنع واشنطن بالتوقف عن دعمها لقوات «وحدات حماية الشعب» الكردية في سوريا.
وأخيرًا حصل على ما يُريد. فقد قررت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بصورة مفاجئة ودون التشاور مع حلفائها الدوليين سحب الجنود الأمريكيين من سوريا المثخنة بحرب أهلية، ولكن المراقبين يُلاحظون أن أردوغان لا يُعبر علنًا عن سعادته بهذا القرار، بل على العكس من ذلك، يجد نفسه مُجبرًا على التفكير بعمق عمّا ينبغي اتخاذه من إجراءات في المرحلة العصيبة القادمة. المراقبون يتحدثون عن عام ساخن في المنطقة.
وكان أردوغان قد ذكر أخيرًا في كلمة ألقاها أمام رجال أعمال في مدينة إسطنبول التي ينحدر منها، حيث أشاد بسياسته الخارجية وقال: «إننا نصنع تاريخ المنطقة».
ولوحظ أنه لم يحظ بتصفيق حاد من الحاضرين، علامة على قلق الأتراك من دخول بلادهم في دائرة الحرب الأهلية في البلد الجار سوريا ولا سيما فتح جبهة جديدة يقف على الطرف الآخر فيها ميليشيات «وحدات حماية الشعب» الكردية.
هذا الشعور أدركه أردوغان قبل وقت حيث أجل بدء العمليات العسكرية ضد الأكراد في سوريا على الأقل حتى يتم الانسحاب العسكري الأمريكي ورصد الحسابات والمخاطر العسكرية والسياسية التي يُمكن أن تواجهها تركيا لأن «وحدات حماية الشعب» الكردية، تحظى بعلاقات طيبة مع الغرب وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية، التي قامت بدعمها وتسليحها وقررت ترك كميات من أسلحة الجيش الأمريكي بعد إتمام الانسحاب لديها، علاوة على أن وسائل الإعلام الغربية تشيد بها باستمرار وتزعم أنها هي التي نجحت في إلحاق أشد الهزائم بتنظيم «داعش».
وحاربت الولايات المتحدة الأمريكية حتى حديثا في سوريا إلى جانب قوات «حماية الشعب الكردي» وحققا معًا بعض النجاح في إلحاق الهزائم بتنظيم «داعش».
من جهة أخرى يعتبر أردوغان «وحدات حماية الشعب» الكردية، تنظيما إرهابيا تابعا لحزب العمال الكردي المحظور والذي تعتبره تركيا وكذلك الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي تنظيما إرهابيا.
وجعل أردوغان الحرب ضد القوات الكردية المذكورة من ضمن أولويات سياسته الخارجية. وفي عام 2018 اجتاحت القوات التركية مدينة «عفرين» السورية المحاذية للحدود التركية، بحجة محاولة دحر مقاتلي «وحدات حماية الشعب» الكردية من المناطق الحدودية بعد أن اتهمتها أنقرة بشن هجمات إرهابية داخل الأراضي التركية منطلقة من المناطق الحدودية.
والآن وقد وضع قرار واشنطن بشأن سحب جنودها من سوريا، فإن ترامب تسبب في نشوء وضع جديد، حيث ينتظر البعض قيام تركيا باجتياح المناطق السورية المتاخمة لحدودها التي تعتقد أنقرة أن المقاتلين الأكراد يستخدمونها كقواعد لتنفيذ عملياتهم ضد أهداف تركية، لكن أردوغان يدرس بعمق المرحلة القادمة رغم أن الكثيرين كانوا يعتقدون أنه يسعى لإقناع واشنطن بالانسحاب من سوريا وتوقف دعمها للقوات الكردية، غير أن سحب الجنود الأمريكيين من سوريا قد يتسبب في عرقلة الخطط العسكرية التركية وهو ما يلفت المراقبون الانتباه له.
وكانت المفاجأة قيام الأكراد يوم الجمعة 28 ديسمبر 2018 بالطلب من الرئيس السوري بشار الأسد رسميا المساعدة في المواجهة ضد تركيا. وأعلن الجيش السوري في بيان أن وحدات من الجيش السوري بدأت الانتشار في مدينة «منبج» السورية، التي كانت تخضع حتى اليوم المذكور لسيطرة «وحدات حماية الشعب» الكردية، بمعنى أن الأكراد يفضلون العيش تحت ظل بشار الأسد وليس تحت ظل الرئيس التركي أردوغان.وتجدر الإشارة إلى أن هدف أردوغان كان منذ اندلاع الحرب الأهلية في سوريا في مطلع عام 2011 هو الإطاحة ببشار الأسد. أما الآن فإنه أدرك مدى استحالة تنفيذ هدفه وتخلى عنه، لكن يتعين عليه بحسب بعض المراقبين الحذر من أن تستخدم دمشق «وحدات حماية الشعب» الكردية كوسيلة للضغط على تركيا.
من أجل هذا السبب أوفد أردوغان وزير خارجيته تشاووش أوغلو إلى موسكو لتوضيح الموقف التركي والطلب من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن يضغط على بشار الأسد لعدم السماح للقوات الكردية مواصلة مهاجمة أهداف في تركيا. وبينما تم التوصل ما يوصف من قبل الدبلوماسيين إلى «هدنة مؤقتة» بين تركيا و«وحدات حماية الشعب» الكردية، يوفر ذلك فرصة زمنية محددة لأردوغان كي يتنفس الصعداء، لكن لا يمكن تجاهل حقيقة أن قرار ترامب سحب جنوده من سوريا قد قلب موازين القوى هناك رأسًا على عقب. ويُقال أن أردوغان وعد ترامب في الاتصال الهاتفي الأخير بينهما، أن يفعل كل شيء للقضاء على «داعش» في المنطقة، وبذلك أراد أن يقول إنه البديل الأفضل لهذه المهمة من «وحدات حماية الشعب» الكردية وأكثر مصداقية، لكن الرئيس التركي وعد وعدًا كبيرًا، فالتحالف الدولي لم ينجح حتى اليوم بالقضاء على هذا التنظيم، ويضع أردوغان جيشه أمام اختبار عسير.
الجيش التركي يحارب منذ وقت على أكثر من جبهة، أولا ضد حزب العمال الكردي في شمال العراق وفي مناطق في سوريا، وعليه الآن سد الثغرة الأمنية التي سيخلفها انسحاب الجنود الأمريكيين، لكن قرار ترامب أوضح بشكل واضح أهداف الأطراف المعنية في الأزمة السورية.
الرئيس السوري بشار الأسد يريد البقاء في منصبه وكل المؤشرات توضح أن ذلك قد تم له الآن. الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ما زال يستغل سوريا بعدما ساعدته الأزمة فيها في استعادة بلاده مكانتها كقوة عظمى ومهدت لها العودة إلى الشرق الأوسط.
الرئيس الإيراني حسن روحاني، لا يملك النفوذ في سوريا مثل إيران ولكنه سعيد بأن يكون طرفًا في التحالف المؤيد للأسد.
أما الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، فإن التطورات الجديدة في سوريا ومخاطر حرب جديدة مع «وحدات حماية الشعب» الكردية قد تتحول إلى ورقة انتخابية بيده لأن الشعب التركي يرفض حرب جديدة وسوف يفضل التمديد لأردوغان الذي نجح دائما في استغلال السياسة الخارجية لتعزيز فرصته بالفوز في منصبه.