«الثابت والمتغير» – حالة مربكة – مقبولة ومرفوضة

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –

يعوّل كثيرا على الثقافة الاجتماعية في تأصيل الصور النمطية، وفي قدرتها على أن تلعب دورا محوريا في قبول أو رفض الـ«ثابت والمتغير»، وذلك بناء على قدرة أبنائها على تجاوز مضان الوعي الجمعي في القدرة على الفهم الكامل لحقيقة الـ«ثابت والمتغير» أو تجزئة فهمه.

الـ«ثابت والمتغير» حالة تفرض أجندتها على واقع الناس، ولا تستلزم، والصورة هكذا، وضع شروطا محددة، إن تحققت حدثت النقلة النوعية لـ«الثابت والمتغير» وإن لم تتحقق لن تحدث، لا، أبدا، فهي صيرورة مستمرة لها القدرة على استخدام كل الوسائل المتاحة، حتى وإن لم يتهيأ الناس لذلك، فيكفي التأثيرات القادمة من الشرق والغرب لإحداث حالة الـ«ثابت والمتغير» في أي بقعة تستقبل هذا المد المتواصل من التغيرات والتحديثات، وفي أي مجتمع يعيش أفراده على وقع هذا كله، والمسألة ليست مقصورة على بني آدم، وحدهم، بل تمتد إلى كل الكائنات الحية التي تتقاسم مع هذا الإنسان معززات الحياة المختلفة، وإلا لو كان الأمر غير ذلك، لما عايشنا السباع الضواري التي تحتضنها الغابات، لئن تعيش بيننا في بيوتنا، نتقاسم معها الفراش الوثير، والمأكل الطيب، والحنان، ألا يعد كل هذا، وغيره، تغيرا جذريا لثابت، كان مطلقا، حتى عهد قريب، وتحول غير معتاد؟ ولأن الأمر كذلك تظل في المقابل، الحالة كلها، مقلقة، ومترقبة بالكثير من الحذر الشديد، وربما، غير مرحب فيها، للتصدع الذي تحدثه على واقع الناس في مختلف البناءات صغيرها وكبيرة، بسيطها وتعقدها، حيث تعمل على تفكيك مجموعة القناعات، وتشظية مجموعة من الصور النمطية التي ترزح حينا من الدهر على الذاكرة الجمعية، على أقل تقدير، وخاصة البناءات القديمة الضاربة بعمق في الفهم الجمعي، كالبناءات: الفكرية، والسلوكية المتقادمة، والتي تحرص عليها الأجيال لترسيخ هوياتها، كما يقال، حيث تتعرض لهذا التصدع انعكاسا لما يستجد على حياة الناس، بفعل تقارب الشعوب وتمازجها، وتلاقحها.
ولكن على الرغم من مجموعة التخوفات المصاحبة لحالة «الثابت والمتغير» إلا أنها تظل مرحب بها إلى حد كبير، لأن البقاء على صيرورة الصور، والألفاظ، والدلالات، وحتى المعاني، حينا من الدهر تصبح المسألة مملة، والإنسان بطبيعته يسعى إلى التغيير، ومع ذلك أيضا لا تعكس أن هذا الإنسان استفاد كثيرا من خبراته في هذه الحياة، ولذلك عندما نرى بعض صور الممارسات التي تظهر على أبنائنا، ونعدها نوعا من «التقليد الأعمى» تشعرنا بصورة خفية بشيء من عدم الرضا، بعض الشيء، في نفوسنا، لأن استمرار هذه السلوك الـ«تقليد» الذي يمارسه أبناؤنا سوف يعمل على تشويه الـ«هوية» التي تعودنا عليها، وعزفنا عليها سمفونية البقاء ردحا من الزمن، وهذا السلوك، في تقديرنا، نعده مبلغ النكران، ربما، ولكأننا نتناسى، ونحن في زحمة مشاعر الدفاع عن الهوية، الحالة التي مررنا بها يوم أن كنا في إعمار أبنائنا، وكيف واجهنا شدة الصدام مع آبائنا وأمهاتنا، نتيجة اندفاعنا لممارسات كثيرة، رأينا فيها أحقيتنا في ممارستها، ورأوا هم فيها انتقاصا لقناعاتهم، ومكانتهم، وصيرورة حيواتهم التي قضوها، وهم يتلبسون ذات الصور، ويمتطون ذات الـ«ركوبة».
فحالة الـ«ثابت والمتغير» تذهب إلى تفكيك الصور النمطية المتمثلة في مجموع المسلمات التي آمنت بها أجيال فأثرت على مجريات حياتها اليومية، حتى أصبح النظر بدونها يرتقي إلى شيء من التابوهات التي يستحيل الحديث عنها، خوف الوقوع في المحظور، ولذلك تكبل الكثير من الأنشطة الإنسانية اليومية التي يتحرر من خلالها الإنسان من مجموعة القيود، ويجعل المؤمنين بها يقتاتون على ما تبقى من الماضي، بغض النظر عن استحقاقات الحاضر، ولعل تعرض الحزم و«الحمولات» الاجتماعية إلى هذا التفكيك، هو ما عزز مفهوم الـ«ثابت والمتغير»، وهو بالتالي ما يتصادم مع قناعات كثير من الناس، وبضرورة البقاء على الثابت، وأن طريق المتغير ليس يسيرا أبدا، فالقادم، دائما، ينظر إليه بشيء من الحذر والريبة والشك، وهذه الصورة في مجملها حالة اجتماعية بامتياز.
هناك من يؤمن باستحالة «القطع الجذري» لمفهوم التواصل الحضاري، وهذه إشكالية كبيرة، وأيضا تدخل ضمن الوعي الجمعي، ولذلك يردد دائما مقولة: «من ليس له ماضٍ، ليس له حاضر» فهذا المعنى يحتاج إلى كثير من المراجعة، فالماضي الذي يجب أن يرافق الحاضر، هو ما يدخل في مفهوم المسلمات الدينية الصحيحة، أما بخلاف ذلك فلا أتصور أن مفهوم «القطع الجذري» لأي امتداد مفاهيمي من شأنه أن يلغي الهويات، أو أن يحدث تصدعا ما في كثير من المسلمات التي آمن بها أبناء المجتمع، ولذلك فالشعوب، والأمثلة كثيرة، التي تستطيع أن توجد «قطعا جذريا» لأي سياق مفاهيمي ما، استطاعت، في المقابل، أن تتصالح مع واقعها من خلال الاستجابة لمتطلبات هذا الواقع، ولذلك هي تقدمت، وبسرعة أكثر من غيرها من المجتمعات التي لا تزال توصل الحاضر بالماضي، وترى أن الحاضر امتداد للماضي، وأن الانفصال عن الماضي هو خطيئة كبرى لا تغتفر.
تفرض بعض الأسئلة جدليتها القائمة والدائمة، في كل عصر، وهذه الجدلية ما كان لها أن تقوم وتبقى، وتستعر نيرانها، ما بين رافض للفكرة، وبين متردد، وبين مقدم بشجاعة، وهي ما يدخلها أيضا في مفهوم صراع الأجيال، فكل جيل ينتصر لاستحقاقاته من هذه الحياة، وكل جيل، ليس يسيرا، أن يفرّط فيما أنجزه في حياته أيضا، وإلا عد ذلك انفصاما معابا وغير مقبول، فالمكون القيمي، على سبيل المثال، بقدر ما تعض عليه الأجيال بالنواجذ، كما يقال، هو في الوقت نفسه قابل لتجاوزه في بعض المواقف، أو في بعض النشأة والاستمرار، خاصة عندما تكون هذه القيم «معيقة» أو تتصادم مع الواقع، ولذلك تفرض أسئلة الـ«ثابت والمتغير» سلطتها في كل مرحلة زمنية تقطعها الأجيال، ولا خيار عن حالة الانحياز نحو الثابت أو المتغير، لدرجة الإيمان بوجودهما، وبأثرهما على واقع الناس، والسؤال الصادم أكثر: لماذا نقبل بأحدهما في آن، ونرفضه في آن آخر، هل هنا نحن نقترب أكثر من مصالحنا الذاتية أكثر من الصالح العام؟.
ومع التسليم بصيرورة الـ«ثابت والمتغير «فدلالات الكون المسير بأمر الله تذهب إلى ذلك أيضا، فتوالي الليل والنهار، والفصول الأربعة، والشهور والأيام، والساعات، وما يحدث فيها من أحداث جسام، لا تتكرر بذات الصور، وإن تشابهت بذات الدلالات والمعاني، فإنها تؤكد بدلالات قاطعة أن حالة الـ«ثابت والمتغير» ليست وليدة فترة زمنية فقط، تعيش حالتها المؤقتة، آنية الحدوث، وإنما تواصل صيرورتها في مختلف مكونات الحياة، وتتداخل في كل أنشطة الإنسان والحيوان على سطح هذه الكرة الأرضية، وهذا بدوره ما يستلزم المراجعة المستمرة من قبل البشر لمختلف أنشطتهم، ولمختلف اشتغالاتهم، وإلا أوقعوا أنفسهم في مأزق التصادم بين من هم يتوقون إلى التغيير، وبين من هم المتموضعون على الثوابت، وهذا ليس من الحكمة في شيء.
يعوّل كثيرا على الثقافة الاجتماعية في تأصيل الصور النمطية، وفي قدرتها على أن تلعب دورا محوريا في قبول أو رفض الـ«ثابت والمتغير»، وذلك بناء على قدرة أبنائها على تجاوز مضان الوعي الجمعي في القدرة على الفهم الكامل لحقيقة الـ«ثابت والمتغير» أو تجزئة فهمه، وذلك بناء على مؤشرات منها: مستوى الفعل ورد الفعل في المستوى الأفقي، أولا، للتغيير، ولذلك عند هذا المستوى نرى مختلف الخروقات، إن تجوز التسمية، لمختلف الثوابت، وبالتالي متى حدث شيء من هذا النوع، نرى ردات الفعل، التي تبدأ عل شكل انتقادات لفظية، وقد تتطور إلى انتقادات فعلية، وخاصة على مستوى الأسرة، على سبيل المثال، حيث يصل الانفعال إلى ذروته، وقد تتشابك الأيدي بين المربي ومن هم تحت مسؤوليته، وقس نفس الصورة على مستوى المجتمع ككل، وعلى مستوى الدولة في شمولية الممارسة، وأما على مستوى الرأسي، فهنا تأخذ المسألة بعدا أكثر خطورة، وخاصة عندما تقترب حالة الـ«ثابت والمتغير» من الدين، والحياة المدنية الخاضعة لبرامج وسياسات وبرامج معينة، والسياسة، والاقتصاد، لأن كل هذه العناوين سياسات عامة تخص، أكثر، صاحب القرار، ومعروف أن أصحاب القرار ليس يسيرا أن يتداخل معهم أحد ما من خارج المنظومة، وذلك لاعتبارات كثيرة.