الإنفاق الجاري والرأسمالي في الموازنات العامة

لؤي بديع بطاينة –
Lbb_65@yahoo.co –

إن الإنفاق الجاري كما هو معلوم يتمثل في التزامات الحكومات الجارية والمُتكررة على شكل الإنفاق على المصاريف الجارية والتي تُشكل غالبيتها الرواتب ومخصصات الدعم والإنفاق على الخدمات العامة التي تقدمها الدولة بشكل مُباشر وغير مُباشر ومصروفات الدفاع والأمن ومصروفات إنتاج النفط والغاز وغيرها من أنواع الإنفاق الحكومي والتي من الصعب والمُستحيل التخلص منها في المُستقبل القريب نتيجة استمرار اعتماد المؤسسات الحكومية والاجتماعية غير المُربحة Non-Government Organizations (NGO’s) والمجتمعات المحلية ومنظمات المجتمع المدني والأفراد على تلك المستويات من الإنفاق وطريقته وحجمه وقيمته وتوقيته وتوزيعه على مختلف طبقات المجتمع وتنوعاته وتوزيعاته الجغرافية والسكانية.
تاريخيا .. الإيرادات العامة الحكومية في المنطقة الخليجية كانت خلال الفترات الماضية (على أقل تقدير خلال السنوات الثلاث الماضية) تتراجع (إذا ما تم استثناء الإيرادات من النفط والغاز)، بسبب تركيز الحكومات على الإنفاق الجاري واستحداث فرص العمل في القطاعات الحكومية كطريقة لتخفيف الضغط عن القطاع الخاص (نتيجة معاناته من الأزمة المالية العالمية خلال السنوات الماضية) في قدرته على استحداث فرص العمل للمواطنين وبأسلوب إداري وعلمي وسياسي يخفف من الضغوطات الشعبية والاجتماعية نتيجة تزايد أعداد الباحثين عن عمل وفي الوقت نفسه تزايد أعداد الخريجين من المؤسسات التعليمية والمهنية، إلا أن الإنفاق العام كان ولا يزال يُعتبر سيفا ذا حدين ولا يمكن تخفيضه بين ليلة وضحاها، بسبب حساسيته من النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية وآثارها المختلفة على المجتمعات والشعوب.
ولعل أهم دليل على ذلك هو أن معظم الموازنات الحكومية تركز على الاستدامة وعدم المساس بالوضع المعيشي للمواطنين، حيث من المعلوم أن الإنفاق العام الجاري يتصف بصعوبة قابليته للتخفيض في المستقبل القريب في حال حدوث تطورات مالية واقتصادية وسياسية تؤدي إلى انخفاض الإيرادات العامة للدول.
الأمر الذي يعني أن الطريق الأقصر والأسرع هو قيام الدول بتخفيض الإنفاق الرأسمالي وعلى حساب الإنفاق الجاري للحكومات بشكل أدى وسيؤدي إلى التأثير المُباشر على تحقيق نسب النمو الاقتصادي المنشودة لتلك الدول واستدامة النمو الاقتصادي الذي تم تحقيقه سابقا.
فعلى سبيل المثال، نجد أن المصروفات الجارية المقدرة في موازنة السلطنة لعام 2019 قد بلغت 9.5 مليار ر.ع. بارتفاع سنوي نسبته 5.7% منها 47.3% يعود إلى نفقات الوزارات المدنية.
وقد شكلت المصروفات الجارية نسبة 73.6% من إجمالي الإنفاق العام المقدر، في حين تذهب النسبة المتبقية إلى المصروفات الاستثمارية (20.3%)، كذلك شكل مبلغ الإنفاق الجاري المقدر بنسبة 94.1% من إجمالي الإيرادات المقدرة، الأمر الذي يظهر مدى الثقل الذي تتحمله الحكومة في سبيل دعم الاقتصاد والحفاظ على وضع معيشي جيد للمواطنين.
وعند الحديث عن الإنفاق الجاري، فإن أهم أوجهه المُتعارف عليها والذي يُشكل وسيلة وطريقة نحو النمو الشامل والمُستدام بطريقة اقتصادية واجتماعية وعلمية يؤدي إلى قيام الحكومات بتحقيق القيمة المُضافة اقتصاديا بطريقة مُباشرة وغير مُباشرة، ألا وهو الإنفاق على التعليم.
ويشمل الإنفاق على التعليم بنود الإنفاق الحكومي على مؤسسات التعليم (الحكومية والخاصة)، وإدارة التعليم بالإضافة إلى الإعانات المالية المقدمة للمؤسسات المختلفة وكافة أطراف العملية التعليمية من طلاب، وكليات والأسرة التعليمية والمدارس والمعاهد والجامعات. وكما جرت العادة، استمر التعليم في المرتبة الأولى من حيث الحصة المخصصة ضمن المصروفات الجارية والرأسمالية حسب التخصصات الوظيفية للوزارات المدنية والوحدات الحكومية والهيئات العامة والتي بلغت 4.49 مليار ر.ع، حيث بلغت نسبة المبالغ المخصصة له في موازنة عام 2019 ما يعادل 12.4% وهي نسبة بالمجمل لم تتغير كثيرا في الموازنات العامة للسلطنة.
وعند الحديث عن التعليم فلا بد من ذكر التدريب، خاصة الدور المهم الذي يقوم به الصندوق الوطني للتدريب خلال عام 2019م باستكمال خطة التدريب لـ(6170) متدربا.
وعلى المستوى الخليجي، كان إجمالي الإنفاق العام الجاري للحكومات الخليجية كنسبة من إجمالي الإنفاق متناميا خلال الأربعين سنة الماضية ووصل إلى أكثر من 50% (من إجمالي الإنفاق العام) كما تحدثنا سابقا، غير أنه مع نمو الإيرادات النفطية خلال العقود الماضية نتيجة تحسن أسعار النفط (الذي يُعتبر ويُشكل أكثر من 70% من الإيرادات الحكومية الخليجية)، أخذ الإنفاق العام الجاري في التناقص تدريجيا وارتفاع الإنفاق الرأسمالي من خلال إنشاء المرافق والبنية الاستثمارية الصناعية وخصوصا الصناعات البتروكيماوية والصناعات والمرافق المرادفة للصناعات التي تعتمد على النفط والغاز في النمو بمعدلات غير مسبوقة وخصوصا في مرحلة الثمانينيات من القرن الماضي.
وكان الإنفاق الجاري الحكومي (تاريخيا) دائما يرتفع بوتيرة كبيرة وسريعة كلما ارتفعت الإيرادات الحكومية من النفط والغاز على الرغم من ارتفاع الإنفاق الرأسمالي نتيجة توسع واتساع مسؤوليات الدول في توفير فرص العمل وتطوير المجتمعات المحلية بوتيرة مُتسارعة لتعكس نمو الإيرادات الحكومية من النفط والغاز.
وعند الحديث عن الإنفاق الرأسمالي والمصروفات الاستثمارية في السلطنة، نجد أنها كانت متذبذبة من حيث الارتفاع والانخفاض على أساس سنوي وشكلت في المتوسط نسبة 22% من إجمالي الإنفاق العام وشكل بند المصروفات الإنمائية (يتضمن الشركات الحكومية) النسبة الأكبر منها عند 46%.
ولعل حساسية هذا النوع من الإنفاق ترتبط بإيرادات الحكومات وعلى الأخص بأسعار البترول نتيجة تخوف الحكومات من عدم الجدوى الاقتصادية (على المدى المنظور) في حال انخفاض الإيرادات الأمر الذي يؤدي إلى ارتفاع نسبة الإنفاق الجاري كنسبة من إجمالي الإنفاق نتيجة عدم قدرة الحكومات على تخفيضه.
إن التذبذب (غير المنطقي من وجهة نظرنا) في الإنفاق الرأسمالي والمصروفات الاستثمارية والذي قد تكون له أسباب من قبل وجهة نظر واضعي الخطط ذات الصلة في المنطقة، إلا أننا نرى أن تخفيض الإنفاق الرأسمالي سيؤدي إلى زيادة أعباء الحكومات على توفير فرص العمل والتي كانت من الممكن توفيرها من خلال الاستثمار الرأسمالي بطريقة مُباشرة وغير مباشرة، كما تدل الدراسات والبرامج والخطط المُعلنة والمخططة ماليا واقتصاديا واجتماعيا.
وكما هو معلوم، لا تقتصر قدرة الإنفاق الرأسمالي فقط على توفير فرص العمل للمجتمعات المحلية وإنما أيضا يؤدي إلى تحسين وتنويع وزيادة الميزان التجاري للدول علاوة على القيمة المُضافة لتلك المشروعات الناتجة عن الإنفاق الرأسمالي على المدى المنظور والمُستقبلي.
يظل السؤال الأهم يتعلق بمدى واحتمالية انخفاض أسعار النفط لمستويات تؤدي إلى قيام تلك الدول ليس فقط بتخفيض الإنفاق الرأسمالي لمستويات كبيرة، بل وأيضا تخفيض مستويات وقيم الإنفاق الجاري لمستويات غير مسبوقة بشكل يؤدي إلى قيام تلك الدول بتخفيض مستويات وأعداد توفير فرص العمل في القطاعات الحكومية على مختلف أنواعها وأحجامها.
برأينا أن الإنفاق الرأسمالي وعددا من بنود وأنواع وطرق الإنفاق الجاري الحكومي مثل الرواتب والأجور والإعانات وطرق وقيم الدعم ووسائل الترفيه والرفاه الاجتماعي هي الخاسر الأكبر في حال تراجع الإيرادات النفطية الحكومية الأمر الذي يشكل تهديدًا للنمو الاقتصادي لتلك الدول. ولا شك أن الخطر الحقيقي يكمن في شدة تحركات أسعار النفط وانخفاض الأسعار العالمية للنفط الخام، مما قد يتسبب في الضغط الكبير وإجهاد الموازنات العامة الحكومية للدول النفطية مما يشكل تأثيرًا مُباشرًا لمستويات الإنفاق وعلى وجه الخصوص الإنفاق الجاري.