الأوضاع الاقتصادية في المنطقة وتحديات التوظيف

اسامة الحرمي –

إن توظيف المواطنين من حملة الشهادات الجامعية والدبلوم الجامعي بالإضافة إلى حملة دبلوم التعليم العام وما دون دبلوم التعليم العام الذين يزداد عددهم عاما بعد عام، دائما ما كان الشغل الشاغل لقيادتنا الحكيمة، إذ نرى ذلك محط الاهتمام في مضامين الخطابات السامية، حيث وضع هذا الأمر ضمن الأولويات. ومن أجل ذلك، أنشئ العديد من الأجهزة الإدارية للتخطيط والتنفيذ في هذا المجال. ويشكل ملف التعمين قضية وطنية استراتيجية ذات أولوية قصوى تستدعي تضافر وتكامل الجهود بين القطاعين الحكومي والخاص وتطوير الشراكة بينهما بما يسهم في إيجاد الفرص الوظيفية المناسبة للمواطنين والمواطنات، وذلك تنفيذاً للتوجيهات السامية.
من الملاحظ أنه رغم كل الجهود الكبيرة والحثيثة التي تبذلها وزارة القوى العاملة في عملية تشغيل الباحثين عن عمل ما زال التحدي قائما، وهناك ضرورة ملحّة إلى بذل جهد أكبر لاستيعاب هؤلاء المواطنين وتسهيل عملية تشغيلهم. نحن نعلم أن وزارة القوى العاملة ليست مسؤولة عن توليد وظائف جديدة لتحقيق مستهدفات الأجندة الوطنية، فتلك مسؤولية تشرف عليها جهات أخرى أكثر اختصاصا – ليس هنا مجال التطرق إليها- ولكن مسؤوليتها تتحدد في ضبط وتنظيم واقع سوق العمل بإدارته وبموارده البشرية، ذلك من خلال تنظيمات وتشريعات تحقق أهدافا تصب في صالح المواطن والوطن، ومن خلال انتهاج سياسات وإجراءات مدروسة تسهم في رفع نسبة التعمين الفعلي وليس الشكلي. ويندرج ضمن مسؤوليات الوزارة كذلك تقييم ومتابعة جدوى سياساتها وبرامجها المختلفة حول سياسة التعمين والتوظيف والباحثين عن عمل، وأن يتم ذلك بشفافية عالية.
من البديهي أن يكون القطاع الخاص هو المستهدف بالتوظيف خلال هذه المرحلة، ليس فقط لتشبع القطاع العام، لكن لكونه القطاع المنتج، فهو المسؤول عن تنويع قاعدة الاقتصاد الوطني من أجل رفع مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي، وهو المسؤول عن توفير فرص عمل للتصدي لأزمة الباحثين عن عمل، وهو المتخم بالأيدي العاملة الوافدة. إن القطاع الخاص في السلطنة مطالب الآن وأكثر من أي وقت مضى بأن يضطلع بدوره الوطني بشكل أكثر تركيزا وأن يكون مبادرا في استيعاب المواطنين المؤهلين الباحثين عن عمل واستثمار طاقاتهم وتوظيفهم، والاستفادة مما تقدمه الدولة من التسهيلات المختلفة لدعم الشركات والمؤسسات. كما يتوجب من الباحثين عن عمل الإقبال على فرص العمل الشاغرة المعروضة لتضييق المجال أمام الشركات لاستقدام القوى العاملة غير العمانية.
تبنت وزارة القوى العاملة مشكورة حزمة من السياسات والبرامج والمبادرات التي تستهدف في مجملها تسريع وتيرة التعمين في قطاعات مستهدفة وتمكين المواطنين في وظائف واستدامتها بالتوازي مع تنفيذ برامج متخصصة للتدريب والتأهيل، وتهيئة الباحثين عن العمل للالتحاق بالوظائف التي يتم استحداثها عبر الشراكة مع جهات القطاع العام المنظمة لعمل القطاع الخاص، والشركات المستهدفة العاملة في هذا القطاع.
إن غالبية المشكلات قد لا يكون مردها القوانين والأنظمة والقدرات البشرية، وقد يساهم إشراك «النخبة» من الأكاديميين والمفكرين وذوي التجارب الثرية للمساهمة في صياغة حلول واقعية علمية وعملية لحل القضايا في هذا الخصوص، وإن ضعف مردود السياسات والإجراءات أو المبادرات والبرامج، يفرض علينا كمواطنين وكمسؤولين اتخاذ خطوات تهدف نحو إجراء تغيير فعلي جاد وسريع، وبما يسهم في إصلاح سوق العمل الوطني. ولابد من وضع برامج تهدف إلى رفع معدلات النمو الاقتصادي وتحقيق التنمية المرتكزة على زيادة الدعم للقطاع الخاص وجذب رؤوس الأموال المحلیة والأجنبیة لإيجاد المزيد من فرص العمل.
السؤال الذي نطرحه كمواطنين كلنا وفاء وولاء لهذا الوطن الغالي على القطاع الخاص: ما هي المعوقات التي تحول دون توظيف الشباب العماني من الجنسين؟ نحن جميعا نقر بالجهود التي تبذلها الدولة والاستراتيجية التي وضعتها لتقليص أعداد الباحثين عن عمل من خلال فرض تعمين الوظائف وتحفيز الشركات على ذلك. ما زال الكثير من الشبان والشابات العمانيين يواجهون صعوبات في العثور على عمل في هذا القطاع الذي ما زال حتى هذه اللحظة محل ترقب الجميع، حكومة وشعبا. لابد أن يضطلع هذا القطاع بدوره كاملا كشريك أساسي في البناء والمشاركة في الخطط التنموية والاقتصادية. يجب أن يكون القطاع الخاص المشغل الرئيسي للقوى العاملة الوطنية وفارس هذه المرحلة بعد أن وفرت له الدولة كل الدعم والتشجيع للاستثمار داخل السلطنة، وأسست قاعدة صلبة تمكنه من المساهمة بفاعلية في تحقيق أهداف التنمية المستدامة التي تعمل عمان على تحقيقها من أجل ضمان حاضر ومستقبل أجيالنا القادمة.
إن السلطنة تعتمد على قوة جبهتها الداخلية وتماسك المجتمع وتفهّمه لجميع المصاعب والمعوقات التي قد نواجهها، والتي تتطلب منا الوقوف جنباً إلى جنب متكاتفين متعاضدين للتصدي لها وتجاوزها. ستبقى عمان بخير، ما دمنا واقعيين ومدركين حجم التحديات.