الفلسفة العُمانية للسلام

من المدرك تمامًا أن سياسة السلطنة الخارجية تقوم على نسق واتساق تأسس منذ بواكير النهضة المباركة، بفعل السياسة الحكيمة لحضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه-، وأن هذا المسار تسنده ثوابت تتكيف مع المتغيرات والتحديات على كافة الأصعدة الإقليمية والدولية.
واستطاعت السلطنة أن ترسم صورتها بهذا الوضوح الذي يمكن الإشارة إليه بـ «فلسفة السلام» وفق إشارة معالي الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية يوسف بن علوي بن عبدالله، في حديثه لبرنامج «هذه أمريكا والعالم»، بالتعاون مع الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون.
والحديث عن «فلسفة السلام» يعني الذهاب إلى المقاصد المترتبة عن تلك الحكمة الراسخة والأصيلة التي تأخذ من عمق التاريخ العماني والأبعاد العميقة لتشكيل الشخصية العمانية، بالإضافة إلى المعطيات الحديثة، وكاريزما جلالة السلطان المعظم، التي كان لها الدور الأبرز في رسم هذه الفلسفة ومدّ دروبها باتجاه أن تكون سمة مميزة لعُمان في المشهد الدولي.
وقال ابن علوي: «إن فلسفة السلطنة هي السلام ثم السلام»، وهذا التكرار يعطي دلالة جلية على التأكيد الذي يعني الالتزام والإصرار على هذا المبدأ، الذي يجد التطبيق المباشر وليس مجرد شعار يقال، وكل من يرصد مسارات الممارسة السياسية عبر عقود سوف يتوصل لهذه النتيجة بكل ببساطة.
وتقترن هذه الفلسفة بمعانٍ متصلة تصبّ في المعنى أو الإطار نفسه، وهي المحبة والتعايش وعدم التدخل في شؤون الآخرين، أيضا عدم السماح لهم بالتدخل في الشأن الذاتي.
أما مجمل المتحصل من صورة هذه الفلسفة فهو يصبُّ في تكوين الشراكات والصداقات مع الآخرين، بهدف صياغة عالم أفضل من خلال التعاون في كافة الأمور المشتركة، بما يساهم في تعزيز السلم الدولي.
وفي الإطار الفلسفي نفسه فقد تحدث معالي الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية عن مستقبل السلام في الشرق الأوسط، وأشار إلى أن السلطنة ترى أن «الأولوية لإيجاد آليات تجعل الناس يتقبلون مبادئ السلام والتعايش».
وهو يؤكد ذات ما تؤمن به سياسة السلطنة في توطيد فلسفة السلام، فالطريق إلى المستقبل يعني فتح مساحات التقارب عبر وعي الأطراف لبعضها البعض عبر الآليات المناسبة التي تمكن من تحقيق هذا الهدف.
وفي هذا الشأن فإنه من المهم أن تتخلص الأطراف المعنية من الرواسب التاريخية وتنظر للمستقبل عبر سياسة «عدم العودة إلى الماضي»، وفي هذا الإطار فإن زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي للسلطنة ولقاءه بجلالة السلطان المعظم، كانت تصبّ في هذا المعنى.
إن تأكيد المعاني السامية والبعيدة التي تستهدفها المقاصد العمانية في سياستها الخارجية، تأتي من نسيج متآلف وقيم لا تتجزأ، وهو ما يجعل السلطنة تتمتع بالعلاقات الطيبة مع الجميع في ظل الاحترام المتبادل.
وهنا يمكن الإشارة إلى العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية التي تعتبر تاريخية كما أشار سعادة مارك جي سيفرس سفير الولايات المتحدة لدى السلطنة، الذي أكد كذلك كيف أن السلطنة نجحت بقيادة جلالة السلطان المعظم – حفظه الله ورعاه – وبسياسته الحكيمة أن تكون وسيطًا فاعلًا في حل العديد من القضايا والمشاكل الإقليمية، كما أكد أن جلالته دفع بالسلطنة نحو النمو والاستقرار منذ توليه مقاليد الحكم في البلاد.
هذه الشهادة التي تضاف لما لا حصر له من الشهادات عبر التاريخ المعاصر إلى اللحظة الراهنة، تضاف إلى سجل السلطنة وقيادتها السياسية التي نجحت في أن تجعل لعُمان مكانة مرموقة بين الأمم في صناعة السلام الدولي عبر هذه «الفلسفة» العميقة والراسخة.