الانسحاب الأمريكي والحرب في سوريا

ستيفن كوك – مجلس العلاقات الخارجية/ ترجمة قاسم مكي –

أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأربعاء (19 ديسمبر) أن ما يقرب من 2 ألف جندي من القوات الأمريكية في شمال شرق سوريا سيغادرون على الفور بعد أن تمت هزيمة قوات ما يسمى جماعة (داعش). تدافع المسؤولون داخل الحكومة الأمريكية عقب ذلك لتطوير خطة للانسحاب. كما استثار الإعلان ردودَ أفعالٍ مزجت بين التوجُّس والنقد من جانب أعضاء الكونجرس من كلا الحزبين الديمقراطي والجمهوري.
ومن المتوقع أن تشتد في أعقاب هذا القرار المحاولات الإقليمية لبسط النفوذ وستجني روسيا وإيران وأيضا النظام السوري معظم المكاسب. ومن جهة أخرى يشكل إعلان الرئيس ترامب خذلانا لشريك واشنطن الأساسي على الأرض في سوريا وهو قوات سوريا الديمقراطية التي يقودها الأكراد وتسيطر على ما يقرب من ثلث أراضي سوريا.
كما سيعزز التهديد الذي يتعرض له حلفاء الولايات المتحدة الآخرون في المنطقة خصوصا إسرائيل من جانب إيران وحزب الله. وكلاهما لديه وجود في سوريا. وسيعتمد الفاعلون الإقليميون، في غياب الولايات المتحدة في سوريا، على روسيا لتحقيق مصالحهم.
أما بالنسبة لتركيا فسيعزز ترامب موقفها. لقد سعت الحكومة التركية إلى إنهاء علاقة الولايات المتحدة العسكرية والدبلوماسية مع قوات سوريا الديمقراطية. فأنقرة ترى أن المكون الأساسي لهذه القوات المتمثل في وحدات حماية الشعب جزء من حزب العمال الكردستاني الذي يشن حملة إرهابية ضد تركيا على مدى فترة امتدت إلى 35 عاما تقريبا. لكن ربما أن الميزات التي ستحصل عليها تركيا من قرار الانسحاب لن تستمر طويلا.
حقا سيساهم كثيرا انسحاب الولايات المتحدة من سوريا (إلى جانب قرار الحكومة الأمريكية ببيع أنظمة صواريخ باتريوت لتركيا والذي ينتظر موافقة الكونجرس) في ترميم العلاقات بين واشنطن وأنقرة. لكن ستترتب عن هذا الانسحاب مخاطرة كبيرة للحكومة التركية.
لقد سبق أن أعلن الرئيس رجب طيب أردوغان أنه سيؤجل خطة للتغلغل في شمال سوريا. واذا غزا الجيش التركي سوريا بالفعل ثم انطلق حتى الحدود العراقية لمحاولة تدمير وحدات حماية الشعب وجعل الحكم الذاتي للأكراد السوريين بلا قيمة عملية قد تجد تركيا نفسها متورطة في حرب غير نظامية في بلد أجنبي.
ووفق تقارير صحفية وتحليلات أخرى يتراوح عدد أفراد مكَوِّن وحدات حماية الشعب في قوات سوريا الديمقراطية بين 30 ألفا إلى 60 ألف جندي. حصل هؤلاء الجنود على خبرة قتالية كبيرة خلال الأعوام الأربعة الماضية. وإذا كان ثمة درس مفيد يمكن الاهتداء به من القتال ضد حزب العمال الكردستاني الذي امتد لعدة عقود فهو أن تركيا (في حال دخولها سوريا لمحاربة الأكراد السوريين) ربما ستجد نفسها في صراع طويل ضد قوات تخوض قتالا أشبه بحرب العصابات. إضافة إلى ذلك من المرجح أن تتجه وحدات حماية الشعب مباشرة إلى الحكومتين السورية والروسية في أعقاب قرار إدارة ترامب.
ومن المؤكد تقريبا أن يعقد الأتراك صفقة مع الرئيس السوري بشار الأسد الذي يحتمل أن يكون قادرا على التعايش مع شكل ما للحكم الذاتي الكردي في الشمال الشرقي إذا لم يعترض الأكراد على الفكرة غير الصحيحة بأنه يبسط سيطرته على كل الأراضي السورية. سيطرح ذلك احتمال وقوع مواجهة بين سوريا وتركيا التي تريد توسيع مجال نفوذها في شمالي سوريا لمنع نشوء أي شكل من أشكال الحكم الذاتي للأكراد السوريين وتوفير ملاذ آمن يمكن أن يذهب إليه اللاجئون السوريون. ومن غير المستبعد أن «تلعب» روسيا التي تقدم دعما دبلوماسيا وعسكريا للقوات الكردية السورية بكل أطراف القضية لضمان حصولها على أقصى قدر من النفوذ على أنقرة وإضعاف روابطها المتوترة أصلا مع الناتو وأوروبا.
ما ستفعله وحدات حماية الشعب وكذلك نظام الأسد هو ما يلزمنا أن نراقبه في هذا الصدد. فكل الدوافع تشير إلى أن الطرفين سيلجآن إلى عقد صفقة تزيد من فرص بسط الأسد سيطرته مجددا على الأراضي السورية وتقدم للأكراد شيئا من الحماية من القوات التركية والمليشيات المتحالفة معها. إذا تحقق هذا(السيناريو) يمكن أن نشهد تدهورا لافتا للوضع في شمالي سوريا خصوصا إذا أصدر أردوغان أمرا بغزو الأراضي السورية.
أيضا علينا أن نراقب ما سيصدر عن الرئيس الروسي في هذا الجانب. فهو الآن «الوسيط» الذي لا ينازعه أحد في تقرير مستقبل سوريا. لكن ستلزم موسكو معالجة المصالح المتنافسة لكل من سوريا وتركيا.
وإذا أمكن لبوتين إدارة هذا الوضع المعقد دون أن تقع مواجهة كبرى بين الأتراك والأكراد وبين الأتراك والسوريين سيرسخ دوره كزعيم إقليمي.