2019.. عام العودة العربية إلى سوريا

د. عبدالعاطى محمد –

في العام الجديد لن يكون مستغربا أن تتابع الفضائيات العربية إعادة رفع أعلام بعض الدول العربية ومنها الخليجية على سفارات بلادهم في دمشق في مشهد من الأرجح أنه سيهز المشاعر، ويقلب الموازين والمواقف الرسمية والشعبية على السواء. ولن يكون مستغربا أيضا أن يتوالى وصول الوفود الرسمية على مستوى عال أو أقل قليلا.

إن العام 2019 هو عام العودة العربية إلى سوريا بعد 8 سنوات غابت فيها أو غيبت عن حاضنتها العربية على خلفية ما جرى في أحداث «الثورة السورية» إحدى محطات ما تمت تسميته بالربيع العربي. ومع أن الجامعة العربية، وقبيل نهاية العام 2018 نفت أن تكون هناك دراسة لاستعادة سوريا لمقعدها، إلا أنه وفي التوقيت نفسه كانت بعض السفارات العربية تتهيأ لاستئناف عملها هناك، كما بادر الرئيس السوداني عمر البشير بزيارة دمشق في خطوة أكدت أن العودة العربية باتت على الأبواب، علما بأن دولا عربية لم تشارك أصلا منذ بداية الأزمة في عملية القطيعة.
عودة السفارات قد يكون مؤشرا مهما لأنه يتعلق بصميم الاعتراف بالنظام السياسي القائم أو بالأحرى الإقرار بأن هناك دولة في تلك البقعة من الأرض العربية يتعين التعاون معها مثل أي تعامل طبيعي بين الدول، ولكن هناك وجه آخر يؤكد المعنى هو استئناف التعاون التجاري بين الأردن وسوريا، وكذلك استئناف الرحلات الجوية من جانب الكثير من شركات الطيران العربية ومنها شركات خليجية. وكذلك توثيق العلاقات بين العراق وسوريا إلى حد إعلان بغداد استعدادها لمساعدة دمشق في محاربة ما تبقى من «داعش» بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سحب القوات الأمريكية من المناطق التي تواجدت فيها في سوريا. ويضاف إلى ذلك أيضا إعلان أكراد سوريا دعوة القوات السورية لحمايتهم في الشمال بعد انسحاب القوات الأمريكية، وحتى وقت قريب كانوا في الطرف الخصم للحكومة السورية!
في العام الجديد لن يكون مستغربا أن تتابع الفضائيات العربية إعادة رفع أعلام بعض الدول العربية ومنها الخليجية على سفارات بلادهم في دمشق في مشهد من الأرجح أنه سيهز المشاعر، ويقلب الموازين والمواقف الرسمية والشعبية على السواء. ولن يكون مستغربا أيضا أن يتوالى وصول الوفود الرسمية على مستوى عال أو أقل قليلا، وكذلك الوفود الشعبية من مجالات مختلفة، فسوريا الأمس البعيد ليست هي سوريا اليوم القريب. لقد تبدلت الأحوال وتغيرت موازين القوى على الأرض وباتت الحكومة السورية حقيقة واقعة تفرض على الجميع التعامل معها حتى لو تباعدت الرؤى واستمرت الخلافات السياسية.
لسنوات كانت هناك مفردات وأوصاف ومشاهد تتكرر كل يوم على ألسنة مسؤولين عرب، وشاشات البعض من الفضائيات والصحف العربية، وبالمثل على مستوى الدول الغربية بمسؤوليها وإعلامييها، كلها تناصب النظام السوري بقيادة الرئيس بشار الأسد العداء وتتوعده بأشد صور الانتقام وبإسقاطه. ويتوازى مع ذلك عرض مستمر لمشاهد الحرب المأساوية وفزع ملايين المدنيين وفرارهم إلى الخارج، وفي الطريق كان المئات يموتون غرقا في مياه المتوسط.
وفي العام 2018 وقبيل نهايته بدأت هذه الصورة السوداء للمشهد السوري تتبدل تدريجيا في اتجاه مختلف، ليس ورديا بالطبع ولا يشير إلى أن كل ما جرى من مآسٍ تم تجاوزه أو أن النظام السوري يعيش نشوة الانتصار، فلا شيء من ذلك قد تحقق، ولكن مشهد الدمار يكاد يكون قد توقف تماما، والعمليات المسلحة تم تحجيمها إلى حد كبير وأصبح الحوار حول مستقبل سوريا بيد الحكومة السورية إلى حد كبير وليس بيد خصومه أيا تكن اتجاهاتهم السياسية. هكذا لم يعد يشار إلى تعبير النظام على أنه حكم الأسد ضمن التوجه الذي بدأ مع «الثوار» لتأكيد أنه معزول شعبيا أو لا يدير دولة أو أنه مجرد طرف على نفس وزن معارضيه من القوى السياسية أو الجماعات المسلحة متطرفة كانت أم معتدلة، وإنما على أنه يمثل الدولة السورية حتى وإن كانت منقوصة السيادة بسبب أن هناك أجزاء من الأرض السورية لا تزال خارج سيطرته. واختفت من شاشات الفضائيات الشخصيات التي كان يتم استضافتها دائما لتفنيد مواقف النظام وللتحريض على إسقاطه وتوارت معها الفيديوهات التي كانت تصور الأوضاع القائمة في زمن احتدام الحرب. ولم تعد مفردة الحرب هي الكلمة السائدة في المشهد، وحلت محلها مفردة الحل السياسي الذي ما زال في علم الغيب، بل الأغرب من ذلك أن مفردة إعادة تعمير سوريا بدأت في التداول بين الأطراف المعنية، وهناك من يقبل ويعد مثلما هناك من يرفض، والرسالة هنا هي أن الملف السوري في طريقه إلى الإغلاق بعد كل ما جرى من خسائر ضخمة على مستوى البشر والحجر!.
ودوليا تغير موقف الدول الغربية وإعلامها 180 درجة، فبعد أن كانت عواصمها على تعددها تناصب النظام السوري العداء، وشارك بعضها في شن الهجمات العسكرية على قواته، وسعت جاهدة لإنجاح مفاوضات جنيف في كل فصولها العديدة من منطلق أن هذه المفاوضات يجب أن تنتهي بإقصاء الأسد وتغيير النظام كليا تلبية لمطالب المعارضة وانتصارا للثورة، بعد كل ذلك غيرت موقفها إلى حد كبير وكأنها تخلت في الحقيقة عن المعارضة. تدريجيا لم تعد تتحدث عن ضرورة إسقاط نظام الأسد إلى حد أنها جاهرت علنا بأنها لا تهتم ببقاء الأسد من تغييره كما جاء على لسان قادة الولايات المتحدة ذاتها. وانتقل مسار الحل السياسي من جنيف إلى سوتشى حيث سيطرت روسيا على مقاليد الحل. وأخيرا قرر ترامب أن يسحب القوات الأمريكية ليترك ملف محاربة ما تبقى من «داعش» لتركيا وليقولها صراحة أن بلاده لم تعد تهتم بالملف السوري وتحيله بالجملة لكل من تركيا وروسيا!. ومع أن دولة مثل فرنسا اعترضت على الموقف الأمريكي وتحاول مع دول غربية أخرى من التحالف الدولي أن تسد الفراغ، إلا أن الرسالة الأمريكية كانت واضحة وضوح الشمس بأن الغرب لم يعد له دور في الأزمة السورية انطلاقا من تصور مؤداه أن سوريا ومنطقة الشرق الأوسط عموما مليئة بكل أصناف التوتر وعدم الاستقرار ومن المصلحة الأمريكية الابتعاد عنها!. وفي هذا الإطار فإن مصير الأزمة السورية أصبح في يد ثلاثة أطراف هى روسيا وتركيا وإيران، ووفقا لمسار التطورات على مدى العامين الماضيين هناك تنسيق قوى بين الأطراف الثلاثة للتعامل مع أزمة شديدة التعقيد كالأزمة السورية.
من المؤكد أن دمشق – الأسد سعيدة بهذه التطورات وتحديدا بمؤشرات العودة العربية إليها، ولكن من المؤكد أيضا أن الأمور ليست بهذه البساطة، لأنها عودة مشروطة بكل تأكيد سواء من الجانب السوري أو من جانب من الأطراف العربية التي بدأت تتبنى العودة إلى الشام. فسنوات الحرب الأهلية حبلى بالخلافات والمواقف المحتقنة ولا يمكن تجاوزها بمجرد تقبيل اللحى بالعادة العربية المعروفة. دمشق – الأسد لن تنسى أو تتساهل سريعا مع إقصائها من الجامعة العربية ولا مع مشهد جلوس المعارضة على مقعدها في إحدى القمم العربية، ولا الدعم المالي والعسكري الذي كانت تتلقاه فصائل من المعارضة في حربها مع قوات النظام. وليس من المستبعد أن تلقى دمشق بالمسؤولية على عديد الأطراف العربية فما وقع من دمار أحال مدنا كاملة إلى أطلال بعد أن كانت مزارات للسياحة العربية العالمية، ومن ثم تقرن قبولها بالعودة بأن تتكفل أطراف عربية بالتعمير وهو أمر ليس باليسير، ناهيك عن المطالبة بتسليم العناصر السورية المعادية للنظام التي عاشت في كنف بعض الدول. وربما كان الشرط الأهم هو أن يصدر قرار من الجامعة العربية باستعادة سوريا لمقعدها، وكما أشرنا في البداية لم تعلن الجامعة أية مؤشرات على ذلك حتى كتابة هذه السطور.
السؤال الذي يقفز إلى الذهن في هذا الإطار هو من الذي في حاجة إلى الآخر، سوريا – الأسد أم بقية الدول العربية. بحسابات المصالح تكون سوريا هي التي في حاجة للعرب لأنها في حالة إعادة تعمير ما خربته الحرب، وهو أمر مهم لسوريا شعبا وحكومة، لن تجد سوى الدول العربية والخليجية منها تحديدا الطرف الذي يمكن أن يساهم بقوة في تحقيق هذا الهدف. علما بأن الأطراف الغربية لم تبد أية مؤشرات على استعدادها للمشاركة في إعادة التعمير. هنا سيكون لهذا الطرف العربي شروطه بالطبع. وبحسابات المبادئ فإن العرب هم الذين في حاجة لسوريا لطي صفحة من التاريخ العربي المعاصر. ومن يعلمون ميثاق الجامعة العربية يتأكدون أن إقصاء سوريا كان انتهاكا صريحا لهذا الميثاق.
واقع الأمر أنه سواء بحسابات المصالح أو بحسابات المبادئ فإن كلا من الجانبين في حاجة لكل منهما، ويتعين أن تنتصر الحكمة العربية على العناد والخصام فتعود العلاقات إلى سابق عهدها، وألا تتحول فكرة العودة العربية إلى سوريا إلى شكل جديد من الصراع العربي – العربي، أي أن يتخاصم العرب على الشروط ويذهب كل منهم في طريق. وفي النهاية على المتشائمين أن يمتنعوا !.